“صالون هدى”.. سجن الفلسطينيات وعُريهن

أثار الفيلم الفلسطيني “صالون هدى”، من بطولة ميساء عبد الهادي ومنال عوض وعلي سليمان وإخراج هاني أبو أسعد، نقاشات فلسطينية واسعة بسبب ما اعتبره البعض مشاهد جريئة و”إباحية” تخلّلت الفيلم، وذهب البعض إلى وصف الفيلم نفسه بأنه “خيانة للقضية الفلسطينية”.
يَعدُ المشهدُ الافتتاحي لـ”صالون هدى” بفيلمٍ غير الذي سننتهي إلى مشاهدته. شابّة فلسطينية اسمها ريم (ميساء عبد الهادي، في أداء رائع كعادتها) تذهب لقصّ شعرها في صالون صديقتها هدى (منال عوض) في بيت لحم في الضفة الغربية. كل شيء يبدو في مكانه التقليدي – محادثات الصالون، بالمعنى الحرفي للكلمة – حتى تفقد ريم وعيها وهي على كرسيها. سرعان ما نلاحظ أن هدى قد أوقعتها في الفخ، بمساعدة رجل مختبئ في غرفة جانبية، وجُردتْ من ملابسها في تلك الغرفة وصُوّرت معه عارية في أوضاع جنسية. عندما تستيقظ ريم، يكون الآوان قد فات.
ماذا حدث ولماذا؟ يتضح الوضع بسرعة. هدى امرأة تعمل – مجبرة – مع الموساد، وهذا النوع من النشاط يسمح لها “بتجنيد” نساء أخريات للعمل كجواسيس للاحتلال، عبر ابتزازهن. ريم تعرف – مثل العديد من النساء الأخريات اللواتي مررن بهذا الموقف – أنه إذا نُشرت هذه الصور على الإنترنت، فسوف يلعنها زوجها ويلفظها، وسينبذها المجتمع بأكمله. لا تفسيرات أو مبررات محتملة، إذ تكاد تكون هنا خيانة المجتمع أسهل من “خيانة” الزوج الغيور.
هذه هي نقطة البداية المكثفة لسادس أفلام هاني أبو أسعد، الذي يريد به، كعادته، صناعة فيلم فلسطيني جماهيري، لكن هذه المرة ببطولة نسائية ولقطات طويلة ومَسرَحة سينمائية واضحة. تزداد حدّة وتوتّر الأحداث عندما يُغلق الصالون بعد ذلك بوقت قصير وتحتجز المقاومة الفلسطينية هدى، في محاولة لانتزاع الاعترافات والكشف عن “ضحاياها” من “الساقطات” في بئر الخيانة. وبذلك الخطّ الدرامي، سيُنفق جزء كبير من الفيلم في استجوابات دراماتيكية وثرثارة وغير واقعية تجريها المرأة مع حسن (علي سليمان)، زعيم المجموعة، الهادئ الرزين المحشور في صراعٍ داخلي بين مدرسة انتزاع الاعترافات بالعنف (التعذيب، والترهيب، وما إلى ذلك) وتلك التي تفضّل استخدام استراتيجيات مدروسة ومحسوبة.
في الأثناء، تعرف ريم بخطورة موقفها، فكل شيء يشير إلى أن هدى سوف تشي باسمها، وبالتالي تقضي جزءاً كبيراً من الفيلم في حالة من الخوف والتشكيك في أيهما هو الأسوأ من بين الخيارات الثلاثة الممكنة: إخبار زوجها وتحمُّل النبذ المجتمعي (ومن عائلتها، بما في ذلك ابنها الذي ستنفصل عنه إذا عُرفت “خيانتها” الزوجية)، أو تسليم نفسها للمقاومة الفلسطينية ورؤية ماذا سيفعلون بها، أم، على العكس من ذلك، الانتظار حتى تجد يد العون لدى الإسرائيليين، الذين لا يريدون أي علاقة بها منذ ذلك الحين، بصفتها “عميلة / جاسوسة” لا يعرفونها لأنها لم تكن قد بدأت العمل بعد.
سيكون هذا هو مسار بقية الفيلم، والذي، على الرغم من احتفاظه بعَصَبٍ معيَّن طوال قصّته الممطوطة بلا داعٍ وحبكته الساذجة، يبدأ في فقدان القوة والمصداقية بمرور الدقائق. صحيح أن الفيلم ينطلق من نوايا وأفكار كبيرة لمساجلة – أو حتى مجرد عرض – حساسيات وموضوعات العمالة وطرق تعاطي المجتمع الفلسطيني والمقاومة معها ومع النساء، لكنه، وعلى طول الطريق، يقع في فخاخ سهلة لحشو قصّته بحشريات “نسوية” مستهلَكة عن أشياء معلومة ومتداولة. يكمن ضعف الفيلم في التكرار والإلحاح في تبنّي مسارات درامية تغيب عنها الواقعية إلى حدّ كبير، إضافة إلى معاناته من عيبٍ واضح يتمثّل في عدم معرفته كيفية تجاوز الصراع، وفي بعض الحالات، خلق شخصيات لا تتجاوز حدود الكاريكاتورية ولا يضاهي سطحيتها إلا سذاجة حواراتها وأفعالها.
ولكن بعيداً من هذه المشاكل، فإن ما ينقله “صالون هدى” هو الواقع الكئيب والمجحف لامرأة (يُفترض بها اختصار كل مثيلاتها الفلسطينيات) تشعر بالضغط وسوء المعاملة بسبب قضايا سياسية محتملة والذكورة السائدة والمهيمنة في مجتمعٍ محتلّ، والذي في أثناء نشدانه التحرّر من قيد الاحتلال، يصرّ على التمسُّك بقيود أخرى كثيرة تأخذ سلطة العادة والتقليد. بطريقة ما، يشير أبو أسعد إلى أن مثل هذه الكراهية للنساء قد تكون إشكالية مثل القضايا الأخرى الضاغطة على المجتمع الفلسطيني، وأن النساء ينتهي بهن المطاف بأن يكنّ ضحايا محتملات ليس لعدو واحد فقط بل عدد من الأعداء في وقت واحد.
هذا عن الفيلم نفسه، أما بخصوص ما أثاره الفيلم لدى البعض، وبالتحديد مشهد تعرية البطلة وتصويرها، معتبرين إياه “إباحية” و”مغازلة للغرب”؛ فالواقع أنه، على ما في الفيلم من مآخذ فنّية، يبقى هذا المشهد “الإشكالي” أساسياً في بنائه ورافداً تعبيرياً لما يريد قوله وإثارته من أسئلة ونقاشات. فإن كان كل خوف/تابوه مجتمعي منعقد في تغذية سطوته على رغبة هذا المجتمع في الإخفاء والاستمرار في “الكنس تحت السجادة”، بحكم العادات والتقاليد كما يُقال دائماً، يأتي المشهد “الصادم” كتجاوز لذلك الخوف من الفضيحة وكسر جدار الوهم السائد بامتلاك رجال هذا المجتمع لسلطة ضبط أجساد نسائه وتحديد ما خفي منها وما ظهر. ميساء عبد الهادي، بعُريها، حرّرت المرأة التي جسّدت شخصيتها، لأنه من الآن فصاعداً، لا أحد سيستطيع ابتزازهـ(م)ـا، وبالتالي فالفيلم نفسه يعمل كجواب على أزمة الخوف من الفضيحة.
والحال أنه في مجتمع طبيعي وصحّي، لا مجال لفرض املاءات شخصية على أجساد لا تخصّنا، كما لا مجال لابتزاز امرأة بسبب صورها العارية، سواء جاء هذا في سياق العمالة لإسرائيل أو الأذى الشرير الخالص. لكن في وادينا الخصيب المنكوب بأمجاد أسماء كثيرة وأخرى لا اسم لها، تتكاثر وترعى وتكبر أشباح خوف من كل شيء، حتى من مجرد جسد عارٍ لامرأة منتهَكة ومستباحة.


