ميكي ماوس … د . خالد جمال !!!

كان منظر الطوابير أمام ماكدونالدز، في موسكو، أواخر ثمانينيات القرن الماضي يثير الدهشة، وكذلك كان في بكين، وعواصم أخرى حول العالم، وقف الناس في صف طويل، يريدون أن يتذوقوا الهامبرغر بالنسخة الاميركية السريعة، والمشبعة بالدهون، وهكذا تم الاعلان عن انتهاء عصور بناء الاشتراكية ، بوصفة بسيطة عبارة عن قطعة لحم وكاتشب وخردل وخس مع بعض البطاطا المقلية.
الصراع على القيم هو الذي يحدد مسار الحضارات، انتصارها او هزيمتها ، وليس فقط السلاح بما فيه النووي. فماذا ستقدم دول مثل الصين وروسيا وحتى الهند الى العالم من قيم،هذا في حال انتصرت في صراع حربي، اعصروا مخيلتكم بربكم وقولوا ، ماذا تريدون من هذه الدول ان تقدم ، في الأزياء ، في الطعام، في التسلية ، في الفنون ، في العلوم ، وفي مفاهيم الحياة كافة. لو اجتمعت كلها لن تستطيع ان تنتج ديزني لاند واحد، يحمل آمال كل طفل وينقلها الى أبعاد تتناسب مع أحلامه وطموحاته.
كل الأزياء المعتمدة والمشهورة وتقليدها هو منتوج غربي، كل الطعام الشرقي الذي نعرفه ونستلذه ، مصنع بطريقة غربية ، بما فيها الطعام الصيني والهندي، لا نعرف أبطالاً خياليين ، كسوبرمان ، وباتمان ، وسبيدرمان وغيرهم الا في الغرب ، لا نعرف العابًا كباربي ورفيقاتها الا هنالك، معظم العلوم والروىء والفلسفات تصنع هناك ، سواءً بالنقل او البناء ، التعليم والصحة هناك ، السينما والموسيقى والفنون الراقية هناك ، كيفما نظرت تجد ميكي ماوس يصفق بيديه الواسعتين ، كيفما ذهبت تجد بيتزا هات وكنتاكي وهارديز وبيرغر كينغ ، كيفما حلقت سيكون عبر ايرباص وبوينغ ، كلما عدوت ستحتذي نايك واديداس وبوما.
حدث في التاريخ ،كما يردد طلال الرفاعي ، ان انتصرت دول التخلف والهمجية، على دول راقية وحضارية، هذا صحيح ولكنها انتهت باعتناق مبادئها وعقائدها ، كحال المغول والتتار عندما اجتاحوا العالم الاسلامي، فأين هم اليوم أين لغتهم ، اين فنهم ، اين ادبهم ، اين وجودهم. الفرق ان الغرب قد تعلم الدرس جيدًا ، وهو يعلم انه يملك ما يجب الدفاع عنه ،من طبيعة الدول والنظام والحكم ، الى مزايا التطور والريادة في الاقتصاد والاجتماع. ناعم وخشن حين تدعو الحاجة.
كل هذا التفوق الغربي في القيم (رغم الكثير من الشوائب) يمر عبر شبكات التواصل، المربوطة بجهاز صغير ، يحمله الشباب في حله وترحاله ، ويدلف عليه بكل ما يحتاجه من معلومات، انه عالم جديد ، عالم الوعي بما يجري،وتقييمه، عالم الشبكات يستبدل الغياب بالحضور ، ويميز بين ما يريد وما يفرض عليه ، وهو متمم لانتصار القيم الغربية ولا ينحاز للقديم . لا استلاب بعد اليوم ولكن خدع سرعان ما تنهار.


