الحجة فاطمة … د . خالد جمال

سأترك الكلمات على غاربها، والجمل على حل شعرها، ولن اقيد الأفكار بالرسن ولا الذكريات التي تطفو الى السطح كما يطفو زورق شراعي على ظهرالنهر.
في زمن لم يكن فيه اي وسيلة للتسلية كما نعرفها في عصرنا هذا، بل قبله بعصور حيث اذا تواجد جهاز راديو في احد المنازل كان نافذة تطل على العالم يجتمع حوله الجيران والأصحاب ليسمعوا خطبة زعيم او اغنية ام كلثوم في اخر خميس من كل شهر. وقبل الراديو كان هناك الحكواتي، وحوله كان يجتمع الضيوف ليسمعوا قصص عنترة بن شداد والزير سالم وتغريبة بني هلال وربما كليلة ودمنة والف ليلة وشهرزاد وشهريار.
ان يكون الحكواتي رجلآ فهذا طبيعي، وهكذا كان الشيخ محمد علي جمال (اللقيس) يجمع الاقرباء والأصدقاء في الليالي الباردة، فيصطلون (بالجواء) شيميني تلك الايام ويتسمرون كمن يشاهد فيلمآ سينمائيا امام الحاج محمد وهو يقراء سير الأبطال والصناديد. والحج محمد اللقيس هو صهر الحاجة فاطمة التي كانت تقف امام والدي وقد جمعت يديها فوق صدرها وحجبت نظراتها عن وجهه وهي ترد على كلامه( امرك يا خال، كما تريد يا خال) والخال صبحي كان يحبها ويقدرها ويأتمنها حتى على اولاده.
الحاجة فاطمة كانت تقيم معنا لتهتم بنا كلما سافرت امي الى لندن لمتابعة وضعها الصحي. المرة الأولى كانت في السبعينات حين سافرت والدتي مع الدكتور خربطلي(طبيب القلب الطرابلسي الشهير) لاجراء جراحة ثقب في القلب عند البروفسر روس، وقد تكللت العلمية بالنجاح، ثم تتالت الزيارات ووتعددت الاسباب، وتكرر اقامة الحاجة فاطمة معنا. واني حين ذهبت الى لندن اول مرة وكدت اتيه في ممرات مطار هيثرو المتعددة،تذكرت والدتي وكيف استطاعت وهي لا تجيد اللغة الانكليزية ان تسافر الى لندن وتعود وكأنها في زيارة الى اسواق طرابلس الداخلية التي اعتادتها.
لنعد الى الحجة فاطمة التي كان حضورها يخفف عنا انا واخوتي الحزن والقلق لغياب الأم. كانت حنونة الى اقصى حدود ولكن صارمة ان دعت الحاجة. طباخة ماهرة ومربية بالبديهة من الطراز الأول. عرفت كيف ترعانا في غياب امي دون اي مشاكل او حوادث وهي ملكة سحرا خاصا جعلنا نتعلق بها واهم خصائص هذا السحر قدرتها الرائعة على سرد الروايات من الذاكرة بطريقة يعجز عنها اكبر الحكواتيين.
كل مساء كان هناك ساعة ترفيه مع قصص الحجة فاطمة، وهي كانت اهم ساعة في يومنا، الساعة الموعودة، المنتظرة قبل النوم وتطاير الاحلام، كانت تجلس على الكنبة ونتربع على الارض حول منقل الفحم والدق، وتبداء بصوت جميل مؤنث تروي قصص الابطال والصناديد،فيرتفع صوتها وينخفض يرنم ويتجهد، يرتجف ثم ينساب وفق واقع الحكاية، ونحن مشدوهين بالقصة والأداء. وكن هناك جزء صغير له علاقة بالجنس اذ كان هناك في احد الحكايات صبية تنتحل شخصية الفرسان وتقارعهم واذا قدر احد عليها كانت تحل مأزرها فيبان ما تحته من جمال خلاب، يضعف امامه الفارس فتنتصر الصبية عليه. وانا كلما تذكرت هذا المقطع ادندن اغنية عصام رجي؛ الزينة لبست خلخالا، وصارت تتباها بحالا، وكل ما تتلاقا بخيال، تقلو يا خيال نزال، الفرس بدها خيالة.
رحمهم الله جميعآ


