الصرح “القواتي”: من أفشل لقاء بكركي مع الموفد البابوي؟!

يصرّ البعض في لبنان على إخراج بكركي من الاطار الوطني الجامع وزجّها في زواريب السياسة اللبنانية الضيقة، كما يصرّ هؤلاء على قطع سبل الحوار الوطني الاسلامي المسيحي، وحتى الحوار المسيحي المسيحي..
إعتدنا في السابق أن يكون الصرح البطريريكي صرحًا لكل اللبنانيين يجمع ولا يفرّق رغم كونه موقعًا دينيًا وروحيًا ذو مكانة معتبرة، لكن ما هو مستغرب اليوم لجوء البعض الى محاولة إلصاق دمغة انعزالية على هذا الصرح وجعله لفئة دون أخرى أو استخدامه للتصويب على شريحة كبيرة من اللبنانيين، لغايات ملتبسة وغير مفهومة..
مناسبة هذا الكلام هو أن الصرح لم يعد صرحًا بعدما حوّل البعض لقاء بكركي الذي كان يفترض أن يكون جامعًا بحضور الموفد البابوي (أمين سر الفاتيكان الكاردينال) بيترو بارولين الى لقاء فئوي ضيق، وبعدما أفشل هؤلاء هذا اللقاء، رغم أن المتعارف عليه هو أن خطاب الكرسي الرسولي انفتاحي تجاه جميع اللبنانيين، ما يطرح سؤالاً جوهريًا: لما هذا الإصرار من بكركي وبعض المسيحيين على كسر الجرة مع باقي اللبنانيين، وتحويل هذا الصرح الى منصة للتصويب والتهجم عليهم؟!.
بالطبع، لم تكن مقاطعة المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى للقاء بكركي عبثية، فلو كان البطريرك بشارة الراعي نفسه حريصًا على إنجاح اللقاء مع الموفد البابوي لما استبقه بعظة بطريركية صنّف فيها أكثر من نصف اللبنانيين بـ”الارهاب”، لكان أقله انتظر مغادرة السفير بارولين بيروت، لكن من الواضح أن البطريرك نفسه تعمد إفشال اللقاء، مخالفًا بذلك توجيهات وارشادات الكرسي البابوي التي توصي دومًا بالحوار والتواصل لا بقطع جسور التلاقي بين اللبنانيين. وحتى الذين حضروا لقاء بكركي لم يكن حضورهم للصرح الا من منطلق بروتوكولي رغم تحفظهم على مواقف البطرريك الراعي، فلو أن الراعي راعى مشاعر اللبنانيين، وإرشادات الفاتيكان، لنجح اجتماع بكركي، كما حصل في زيارات الموفد البابوي السابقة، ولكان في ذلك مصلحة للجميع، وخصوصًا للمسيحيين، ومصلحة للاستحقاق الرئاسي، الذي يحتاج اليوم الى كل خطوة تقرّب اللبنانيين وتجمعهم على طاولة واحدة تمهيدًا لانجازه، وليس الى تنفيرهم وطعنهم في ظهرهم في لحظات وطنية واقليمية مصيرية.
هذا الموقف غير المفهوم من البطريرك بشارة الراعي، والذي أتى مخالفًا للتوجهات الوطنية، ومعاكسًا للاتجاه العربي، حوّل اجتماع بكركي الى نسخة ثانية عن لقاء معراب الذي قاطعه جميع المسلمين وثلاثة أرباع المسيحيين، واقتصر فيه الحضور على ربعهم “القواتي” ومن يدور في فلكهم، والدليل أن مقاطعة اجتماع بكركي جاءت حتى من رئيسي حزب “القوات اللبنانية” و”الكتائب” سمير جعجع وسامي الجميل، رغم تنوع ذرائع كل منهما، لكنهما تلاقيا بالمقاطعة على رفض الحوار وقطع الأيادي الممدودة، ما جعل هذا الثالوث الانعزالي، في موقع وموقف متشابه، فكما أفشلت بكركي اللقاء الجامع للبنانيين مع الموفد البابوي أي الحوار الوطني، أفشل جعجع والجميل بالتضامن والتكافل أن تكون بكركي قطبًا جامعًا للأقطاب الموارنة الاربعة، وبالتالي هما يعارضان ليس فقط التلاقي على مستوى الحوار الذي يطرحه رئيس مجلس النواب نبيه بري، بل يعارضان حتى الحوار المسيحي المسيحي وأي لقاء مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية على طاولة واحدة حتى لو كان في بكركي وبرعاية بابوية.
كل ذلك يؤشر الى اي مدى بات هؤلاء ضد الحوار والتلاقي بين اللبنانيين، وهو يظهرهم بموقع من يريد تقسيم لبنان الى قطع شطرنج لتمرير مشاريعهم الانعزالية والفدرالية التي لم تعد خافية على أحد وذلك ما يظهر دومًا من فلتات ألسنتهم ومواقفهم العنصرية والفوقية، التي تارة تخاطب فئة من المسلمين بأنهم لا يشبهونها وطورًا تخاطب الفئة المتبقية منهم، فتمننها بأنها أبقتها في لبنان ولم ترحلها منذ استلمت السلطة أيام الانتداب الفرنسي عام 1920، وهذا الكلام “القواتي” الخطير برز مؤخرًا على لسان المسؤول الإعلامي في “القوات” شارل جبور، الذي قال في مقابلة على قناة “الجديد” بتاريخ 20/06/2024، ما حرفيته:”انا عم بقلك بالعشرين لو الموارنة عندهم بعد نظر مش عندهم خلفية حكم وسلطة وتسلط رحنا من العشرين على بلد لامركزي يا خيي السني اللي بدو يضله مرتبط عمقه بالعمق القومي العروبي ليش بدك تحطي انت بلبنان ما فهمت”. فهل ثمة أخطر من توسع هذا الخطاب العنصري بعد؟!
عمر ابراهيم


