خاص التحري نيوز

سقوط مشروع الشرق الأوسط الجديد

نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين انهارت اعظم إمبراطورية في العالم بريطانيا العظمى التي وصفت في حينها انها الإمبراطورية التي لا تغب عنها الشمس و انتقلت القيادة و السيادة للعالم و قد تنازلت بريطانيا عن سيادة الجنيه الإسترليني الى الدولار الأمريكي لتبدأ أمريكا السمو بسيادة العالم بقيادات هامة مثل جورج واشنطن – ايزنهاور – جون آدمي – جيفرسون و الذين امتازوا بالذكاء الحاد و سدادة الرأي باستلام زمام قيادة العالم.

و رغم هذا التغيير السياسي الكبير ظل الشرق الأوسط موضع اهتمام بل و الدول العربية تحديداً لما تملك من خيرات نفطية و معدنية و زراعية و بشرية و التي لازالت تعتبر محط انظار العالم لموقعها الجيوسياسي .

انها المحطة بين الشرق و الغرب سواء من ناحية الطرق البرية التي تزيد أهميتها في هذا العصر ( طريق الصين و طريق الهند ) او الطرق البحرية و اشرافها على الممرات المائية الهامة مثل باب المندب – مضيق هرمز – مضيق جبل طارق و هؤلاء احد اهم مفاتيح السياسة الدولية .

لقد انتقل الإرث البريطاني الى امريكا و معه الدولة المزعومة إسرائيل التي زرعتها بريطانيا في جسم العرب و رأى الساسة الامريكيون في هذا الإرث هدية ثمينة لبقاء الدول العربية على شفى حريق دائم يمكن الامريكيون من السيطرة على المنطقة و لأمد طويل غير آبهين بالتطور البشري و قيام دول هامة كانت تحت الاستعمار الإنكليزي متل الصين و الهند و غيرها من دول العالم كما ان أصحاب الحقوق لا تخمد لهم نار .

و رغم مرور اكثر من ستة و سبعين سنة على وجود إسرائيل في فلسطين المحتلة كمخفر متقدم و مجهز بأحدث أنواع الأسلحة المتطورة و التكنولوجيا الغربية و المال و أحيانا بعض العسكريين لم تتمكن إسرائيل من مواجهة فصيل في غزة و استمرت الحرب سنة و لاتزال إسرائيل تقدم مزيدا من القتلى و الخسائر و هذا يعني بان قوة إسرائيل ليست في جيشها او قوة شعبها بل يعود ذلك الى سببين هامين :أولهما الدعم غير المشروط من بريطانيا و أمريكا و فرنسا و المانيا بالسلاح و المال و المستشارين العسكريين و ثانيهما الضعف العربي و اللا متناهي غير المحدود أيضا بل و الغياب الكبير عن قضية شعب يقتل و ارض يزرع فيها الفناء للبشر و الحجر.

هذه الأسباب و غيرها من مستلزمات دعم إسرائيل التي مثلت خنجر في جسم الأمة العربية و الإسلامية ينزف دماً و جهلاً و برميل بارود يتفجر في كل لحظة و زاوية من دول المنطقة، و قد نسي الغرب و على رأسهم أمريكا بأن الحقوق في الحياة لا تضيع و لكنها تؤخذ بالقوة وليس بالضعف و إننا نقول لإسرائيل و أمريكا بأن كل طفل يقتل سيكون عشرة أطفال بدلاً عنه جنوداً في المستقبل القريب .

إن أسلوب ومنطق إسرائيل و أمريكا بل الغرب كله في زرع الفتنة و التفرقة بين أبناء الشعب الواحد بقصد إقامة الحروب و استمرار الفوضى في المنطقة اصبح مكشوفاً للعيان و قد حاولت أمريكا منذ عام 1979 شق الصف الإسلامي بتقسيم المجمع الإسلامي الى شيعة و سنة وشجعت بل انتقلت الحروب من الحرب العراقية الإيرانية الى زرع الفتنة بين ايران و السعودية و دول الخليج و إعطاء إيران الضوء الأخضر للسطو على دول عربية بعينها بحجة الدفاع عن الأنظمة بات مكشوفاً لكل ذي عقل سواء في ايران او الدول العربية و قد ادرك الساسة الإيرانيون خطر الخلافات على أساس ديني و اذا كانت أوروبا قد تناست حروبها الدامية و التي راح بسببها اكثر من ستين مليون انسان إضافة الى تدمير معظم المدن الهامة في القارة الأوروبية .

رغم كل هذه المآسي التقت الدول الغربية على انشاء الاتحاد الأوروبي و اصدار عملة موحدة من اجل صيانة امنها و الحفاظ على سلامة شعوبها و الارتقاء بالإنسان الى مستويات جيدة من العلم و المال و الأهم الامن الاجتماعي .

و هنا أتساءل ألم يدق جرس الإنذار بالنسبة للشعوب الإسلامية و العربية حتى الان للاجتماع على كلمة حق و محبة قبل فوات الأوان؟ و قد تبين للقاصي و الداني من شعبنا خطورة المشاريع الغربية و الصهيونية من اجل الانقضاض على جغرافية المنطقة و تقسيم المقسم و إثارة الفتن الطائفية و المذهبية و استغلال هذه الصراعات في استمرار المنطقة في حالة من الفوضى و ابتزاز أموالها و شبابها و شاباتها في حروب لا تعنيهم بل تزيد في تخريب مستقبلهم ووقف مسيرة التطور لدى شعوبنا فقط .

إن الحاجة التاريخية السياسية اليوم قبل غد تستدعي الدعوة إلى مؤتمر إسلامي عربي يتجاوز الخلافات المفتعلة و المصدرة لنا و التي تهدد حاضرنا و مستقبلنا .

مؤتمر يبني قاعدة تحالف شرق أوسطي و برنامج عمل سياسي و تنفيذي تكون فيه الدول المحورية أساس هذا التعاون و أخص بالذكر المملكة العربية السعودية – ايران – دول الخليج – تركيا – مصر – الجزائر – باكستان – سوريا الطبيعية نقطة انطلاق لبناء مشروع دولي أوسع مناهض للعقل الاستعماري و تجاهل حق الشعوب و وقف دولة إسرائيل عند حدود العقل والمسؤولية لأنها تمردت على كل القوانين الدولية بل و اعتبرت نفسها فوق الأمم المتحدة و مؤسساتها و فوق مجلس الامن و اعضاءه بدعم اعمى من أمريكا التي تدعي نفسها حامية حقوق الانسان في العالم في حين تدوس بفعلها هذه القيم و تجعل من إسرائيل لوحدها أمم متحدة.

إن عدم الاكتراث بمشاعر دول العالم و تجاهل أصوات و رأي اكثر من 140 دولة أعضاء في الامم المتحدة صوتوا من اجل وقف الحرب و حل الدولتين و فرض الاستقرار و الامن في كل منطقة الشرق الأوسط بل و العالم سوف يفضي في السنوات القادمة الى زعزعة كرسي سيادة امريكا للعالم من اجل دولة إسرائيل فقط و قد اختارت أمريكا لنفسها هذا السبيل طمعاً في حماية إسرائيل و تجاهل اصدقائها العرب أولاً و باقي دول العالم إن اكثر من 75% من دول العالم باتوا ينظرون بشك و عدم ثقة في قيادة أمريكا للعالم و تقرير مصير الشعوب .

لقد تعلمنا من عبر التاريخ ان الغطرسة و الاستعلاء و الشعور بفرط القوة و تجاوز الاخر هو المرض القاتل و السبب في سقوط كل الامبراطوريات التي نسمع عنها في التاريخ و اذكر الإمبراطورية الرومانية الفارسية الإسلامية الألمانية و في القريب كانت الإمبراطورية البريطانية

ان التاريخ عادل و ان الحق باقٍ و لا يزول لان الطفل الفلسطيني الذي يموت بقنابل و سلاح إسرائيل هو صاحب الحق و الأرض و ان قتل عائلته امام اعينه من شيوخ و أمهات و أطفال عمدا و جهراً بل و امام اعين العالم اجمع و الذي خلف نهر من الدماء و الذكريات المؤلمة لدى أطفال فلسطين و العالم بأسره لن ينسى ابدا .

اننا ننشد العدالة و المساواة و السلام لكل أبناء فلسطين عرباً و يهوداً على مختلف دياناتهم و نقول للجميع لقد اعذر من انذر لان دماء أولادنا تمهل و لا تهمل و العاقبة للسامعين .

ان استمرار الحرب المجنونة و حجم الخسائر في كلا الطرفين نتيجة تمرد نتنياهو على وقف الحرب بل و حتى على القرار الأمريكي البريطاني مهندسي هذه الحرب .

سيضع الشعب الأمريكي و مكاتب الدراسات أمام سؤال كبير في غياب المؤسسات الدولية من مجلس امن و هيئة الأمم المتحدة الى متى تستطيع أمريكا و بريطانيا دفن الحقيقة و غياب القرار الحازم العادل في الوقت الذي يعطى فيه حفنة من المميزات لحماية حقوق الانسان الى روسيا و الصين التي تجد في هذه الحروب نجاحا لها و فرصة ثمينة لتطور معداتها العسكرية و تكنولوجيا المعلومات السلاح الامضى في حروب المستقبل .

ان مراهنة إسرائيل في تمديد حربها على الانتخابات الامريكية سيكون كارثة على الشعب الإسرائيلي و الأمريكي على حد سواء ضد هذه الحرب التي انعكست نتائجها غير المباشرة على حياته اليومية و لا استغرب من اشعال فتن و خلافات تصل ربما الى الحرب الاهلية بعد هذه الانتخابات بسبب تعنت الإدارة الامريكية باستمرار الحرب و دعم إسرائيل اللا متناهي و القتل العشوائي للشيوخ و النساء و الأطفال في فلسطين و لبنان .

انني اشير ان موت الإنسانية و النخوة لدى بعض العرب لا ينفعهم في حين تشتعل نار الإنسانية و النخوة لدى شعوب الغرب وحكوماته ضد القتل و الظلم و التمادي على حقوق الانسان الى مجتمع آمن و الاعتراف بقرار تنفيذ الدولتين ووضع برنامج زمني ملزم لكل الأطراف برعاية دولية .

المواطن السوري

وفيق عرنوس

 

 

 

 

 
زر الذهاب إلى الأعلى