خاص التحري نيوز

لعبة خطيرة … هل يضحي الوزير بمستقبل الطلاب لأجل السياسة؟ … جويل خالد طبو.

طبو: الحائزة على ماجستير إدارة مؤسسات تربوية،و أخصائية في علم القيادة من جامعة هارفرد

يشهد لبنان أزمة تربوية خانقة، تترافق مع أوضاع أمنية وسياسية جعلت النظام التعليمي في حالة من الارتباك والفوضى، ما يكشف عن فجوات جغرافية واجتماعية باتت تنعكس بوضوح على الطلاب ومجتمعهم. ففيما تُغلق المدارس أبوابها في الضاحية، الجنوب، والبقاع، حفاظًا على سلامة الطلاب، تستمر المدارس الخاصة خارج هذه المناطق في استكمال عامها الدراسي، كما لو أن البلاد لم تشهد أي أحداث مأسوية أو تحديات يومية.

الفجوة النفسية بين الطلاب في المناطق المختلفة:

تتجاوز آثار هذا التباين الحدود الأكاديمية، لتصل إلى الجانب النفسي الذي يتأثر بشكل مباشر بتلك القرارات غير المتوازنة. فالطلاب في المناطق المتوترة، الذين يرون زملاءهم في المدارس الخاصة بأماكن أكثر استقرارًا يواصلون تعليمهم دون انقطاع، يعيشون أزمة نفسية عميقة، تشعرهم بالغبن وعدم المساواة. كيف يُمكن للطالب في الجنوب أو البقاع أن يتقبل واقعه، حينما يكتشف أنه يعيش “في وطنين” أحدهما يهتم بتعليم أبنائه والآخر يعجز حتى عن توفير بيئة آمنة لهم؟

إن تعزيز العدالة التعليمية يتطلب وعياً بتأثير هذه الفجوة على الطلاب، فهم يتساءلون عن قيمتهم وأهمية حياتهم في مواجهة أقرانهم في مناطق أخرى. نحن هنا لا نتحدث عن “حلم مثالي” للمساواة، بل عن ضرورة أخلاقية واجتماعية تفرض نفسها بإلحاح.

القرارات الموحدة: ضرورة وطنية

لبنان بلد صغير، ويستدعي حجم أزماته قرارات تربوية موحدة وشاملة. فالفصل بين المناطق، واتخاذ قرارات منفصلة بناءً على الأوضاع الأمنية، يُفقد النظام التعليمي قيمته الجامعة. في زمن الحرب والقلق، يجب أن تقف الوزارة موقفاً موحداً وواضحاً يراعي الأبعاد الوطنية والاجتماعية، بدلاً من تعميق الانقسامات القائمة. لماذا يُترَك الطلاب في بعض المناطق وحيدين وسط الدمار، بينما يستمر التعليم في مناطق أخرى دون التفات للواقع؟ هذا الواقع يحتاج إلى شجاعة، ليتم اتخاذ موقف يُشعر الطلاب في كل المناطق أن الوطن يحتضنهم ويهتم بمستقبلهم.

 

دور وزارة التربية ومسؤولية المدارس:

إن وزارة التربية، بوصفها الجهة المسؤولة عن رفاهية الطلاب ومستقبلهم، يجب أن تتخذ موقفًا حاسمًا بفرض قرارات تتساوى في تطبيقها جميع المدارس الرسمية والخاصة. إن الوضع الراهن يُشكّل تهديدًا للوحدة الوطنية، ويزيد من الاحتقان الاجتماعي بين الطلاب وأهاليهم. يجب أن تُراعى مصلحة الطالب اللبناني قبل كل شيء، بحيث تكون القرارات بعيدة عن أي اعتبارات أخرى، ولو كانت أمنية.

 

التعليم عن بُعد: مفهوم يحتاج إلى مراجعة جذرية:

يأتي التعليم عن بُعد كحل سريع، لكنه مفتقر إلى التخطيط، حيث يفترض المسؤولون أن الجميع يمتلكون أجهزة إلكترونية أو إمكانية اتصال بالإنترنت. لكن في واقع الأمر، الغالبية العظمى من الطلاب في المدارس الرسمية، خصوصًا في المناطق الريفية والمناطق الفقيرة، لا يملكون أبسط الأدوات التي تؤهلهم لخوض تجربة التعليم عن بُعد بنجاح. هل تُدرك الوزارة أن الإنترنت في لبنان باهظ التكلفة؟ وأن الأجهزة الإلكترونية تُعتبر رفاهيةً للكثير من الأسر؟ هذه الأسئلة تكشف عن بونٍ شاسع بين الواقع الذي يعيشه الطالب اللبناني والسياسات التي تُرسم له.

 

ضرورة وضع استراتيجيات واضحة ومستدامة:

على وزارة التربية، إن كانت جادة في معالجة هذه الأزمة، أن تعتمد على حلول مستدامة بدلًا من القرارات العشوائية التي تُتخذ تحت وطأة الضغوط. فالتعليم ليس مجرد ممارسة أكاديمية، بل هو عملية متكاملة يجب أن تأخذ في الحسبان ظروف الطلاب وقدراتهم، مع وضع خطط مدروسة تُطبَّق بإنصاف بين جميع المناطق. إن الاستمرار في هذا التخبط الإداري لن يؤدي إلا إلى مزيد من التدهور في الوحدة الوطنية، ويهدد أجيال المستقبل بالتهميش والإحباط.

 

في الختام

نأمل من معالي وزير التربية إعادة النظر في القرارات الحالية، واتخاذ موقف شجاع يُشعر جميع الطلاب بالانتماء إلى وطن واحد، ويعكس الواقع الكامل للبلد. إن لبنان في أمس الحاجة إلى نهضة تعليمية تُمثِّل كل أفراده، فلا يمكن لهذا الوطن أن ينهض ما دامت سياسات التعليم تفرق بين أبنائه.

 

 
زر الذهاب إلى الأعلى