خاص : منذ 2005 لليوم … رهانات لن تحقق مآرب من انقلب على الحريري.

كتب المحرر السياسي في موقع ” التحري نيوز”
يراهن البعض في لبنان دومًا على الغرب.. حتى في أتفه استحقاقاتهم الوطنية يتسولون المبادرات على أعتاب السفارات؛ حيث ينتظرون المبعوثين الدوليين وما يحملونه.. كأنّ دولهم جمعيات “كاريتاس” خيرية تبدي المصالح اللبنانية على مصالحها ومطامعها الواسعة.. ينسى هؤلاء، أو يتناسون، أنّ الغرب الذي يشحذون منه المعونة السياسية استعمرهم لمئات السنين، ومع ذلك يصرون على العيش في خضم ثقافة الاستعمار؛ من دون مواربة، ويضعون وطنهم الأم في أتون العواصف الدولية وتقاطعاتها المعقدة.. يقدمون فيها فروض الطاعة لسيدهم الأميركي؛ ليس لانتخاب رئيس لبلدهم؛ بل حتى لاختيار موظف أو سفير وحتى عند تلزيم شركة أو مرفق عام.
ينسى هؤلاء، أو يتناسون عمدًا، أنّ كل مآسيهم اليوم سببها هذا الغرب الاستعماري نفسه الذي أوجد الوحش الصهيوني على تخوم حدود لبنان، ومدّه بكل مقومات البقاء والعتو والعلو والتوسع حتى تمادى بعنجهيته وحروب الإبادة بحق بلادنا من دون وازع أو رادع، وأنّ هذا الغرب نفسه لم يمكّن جيشهم من امتلاك ما يردع عدوهم أو يوقفه عند حدوده.
جديد رهانات هؤلاء اليوم على نتائج الانتخابات الأميركية توحي بأنهم لم يتعلّموا من تجارب الماضي منذ العام ٢٠٠٥؛ يوم راهنوا على بوش (الابن) وحرب تموز العام ٢٠٠٦ ومشروع “الشرق الأوسط الجديد” لتغيير وجه لبنان واقتلاع المقاومة، وخابوا ثم أعاودوا الكرة في زمن ما سمي “الربيع العربي” أيام الرئيس باراك أوباما وفشلوا.. ثم راهنوا على جو بايدن وخذلوا .. واليوم يعودون للرهانات السابقة ذاتها بأنّ إدارة ترامب الجديدة ستحمل معها أرنب الحل السحري للبنان. بالطبع الحل، بنظرهم، ليس إنقاذهم من “إسرائيل” التي هي سبب كل مشكلاتهم منذ وجدت؛ بل الخلاص من المقاومة وسلاحها التي فرضتها الحاجة والضرورة لصد الحروب والاعتداءات اليومية على الأراضي اللبنانية، في ظل تقاعد الدولة وأجهزتها وانصياع بعض زعمائها وقادتها لأومر واشنطن وإداراتها المتعاقبة.
في هذا الصدد؛ يُطرح السؤال: ماذا لو تكررت خيبتهم؟ وسقطت رهاناتهم مجددًا للاستثمار السياسي وركوب صهوة الحروب “الصهيو- أميركية” لخلق واقع جديد في لبنان يحقق مصالحهم الآنية الضيقة المعلنة والمضمرة، والتي تتحيّن الفرص لاقصاء شركائهم في الوطن وتحقيق مآربهم الفدرالية والانعزالية بعيدًا عن شعارات السيادة والشراكة الوطنية التي يجترونها وعن تموضعاتهم السياسية بين من يقف على التل، ومن يحني رأسه للعواصف الجامحة مترقبًا اللحظة السياسية لقصم ضهر لبنان الدولة وزجه في مشاريع تبعية تسووية تطبيعية.
لقد عرّت حرب تموز ٢٠٠٦ الكثيرين وأسقطت الحرب القائمة القناع عن وجوه آخرين باتوا يجاهرون علنًا بقناعاتهم وطروحاتهم، والتي كانت تظهر بين الحين والآخر من فلتات ألسنتهم، حتى وصل الحد بأحدهم إلى الاستقواء بالحرب القائمة لاستعجال سحق المقاومة وإعادتنا إلى العصر “الإسرائيلي” .. إذ ليس بريئًا أن يطرح “سمير جعجع”، والذي انقلب سابقًا على الرئيس سعد الحريري زعيم السنة في لبنان وغدر به ليتزعم المعارضة، أن يستغل الحرب القائمة ويسعى لاستضعاف المقاومة والشروع في تنفيذ أجندة سياسية مرهونة بما يحققه الجيش “الإسرائيلي” عسكريًا ..
هذا ما جاهر به، يوم أمس، بوضوح حينما رأى في حديث لوكالة “رويترز” أن: “حرب إسرائيل قدّمت فرصة لإعادة البلاد إلى مسارها الصحيح.”.. منذ مدة ومراكز الدراسات والأصوات الأميركية، والتي لها باع طويل في لبنان، تروّج لأفكار وطروحات فحواها تغيير الخارطة السياسية في لبنان وعزل المقاومة وإقصائها عن التمثيل السياسي في مجلس النواب والوزارة.. ويبدو أن هذه الأفكار وجدت ضالتها في معراب التي دأب قاطنها وجوقته يجيرون تلك الطروحات إلى مسارات عملية مستظلين تفسيرات جهبذوية خنفشارية مجتزأة للدستور اللبناني.
يعلم الجميع أن هؤلاء ما أمنوا يوما بلبنان وطنًا نهائيًا لجميع اللبنانيين؛ بل ما أمنوا بالطائف في الأساس. ولسنا بحاجة هنا للتذكير بسجلهم الإجرامي باغتيال رئيس الحكومة رشيد كرامي والزعيم الوطني طوني فرنجية وكل وطني تصدى لمشاريعهم الفتنوية.. في ما المقاومة، في المقابل، عضت على الجرح مرارًا ولملمت دماء أحباء لها في حوادث عدة حرصًا على الوحدة الوطنية، وما تزال تقدم سيلاً من دماء خيرة شهدائها وأبنائها على مذبح الوطن ونصرة لغزة بالبرغم من الطعنات التي تتلقاها يوميًا من بعض أدوات الداخل الذين يدارون من سفارات بلاد داعمة للكيان “الإسرائيلي” ومتآمرة على المقاومة.
غدًا؛ تضع الحرب أوزارها وتنفض الحرب غبارها.. ألا يضع هؤلاء في حسبانهم حفظ بعض ماء وجههم والاحتفاظ ببعض الكرامة الوطنية؟ ماذا لو تخلى عنهم سيدهم الأميركي- وهذا دأبه حتمًا- لقد فعل سابقا وسقط مشروعهم في العام ١٩٨٢ وتخلى الأميركيون عن حلفائهم في أفغانستان وفي كل مكان كان له فيه أدوات بعدما استنفذها تركها جثث هامدة.. واليوم سيتكرر المشهد مع الانتصار المدوي الحتمي للمقاومة، والذي بدأت ملامحه وتباشيره تلوح في الأفق. فمن يستنسخ تجربة العام ٨٢ لإيصال رئيس إلى قصر بعبدا على الدبابة “الإسرائيلية” ويغلفها بقراءة دستورية تقسيمية؟
ممّا لا شك فيه سيخيب مجددًا وستسقط رهاناته بتغيير الواقع السياسي في لبنان، كما خابت كل رهاناته السابقة التي يعرف المتابعون والمراقبون أنها دائما كانت عكس التيار الوطني، وكانت دومًا تضع البلد على حافة الحرب الأهلية لولا يقظة المخلصين المؤمنين بهذا الوطن والحريصين عليه من كل سوء.


