في ذكرى الاستقلال من أين يبدأ الوطن … د. خالد جمال

يبدأ الوطن من الشعور بالأمان في حضن الام، وهي تغنّي لك لتنام، يبدأ في صوت مفتاح الاب يصرّ في قفل باب البيت، وهو يدخل عليك حاملاً البسمة والفاكهة والالعاب، وبعضاً من عرق الرجولة، وبعضاً من رائحة الارض وبعضاً من آثار الأيام على الوجنتين.
∎ يبدأ في حكايا العمّة التي يعلو صوت المدفأة ويخبو على رنيم صوتها، وهي تروي قصصاً من ماضي الزمان.
∎ يبدأ من منظر البساتين وهي تفيض بالغلال، ومنظر السرو والصنوبر والشربين المحيطة بالطرقات.
∎ ويبدأ من العريش الذي يزيِّن أطراف السطوح، ويلاقي شجر الزنزلخت وحبوبه الخضراء الى حدود الزرقة تقع على الارض، التي لا تعرف الاّ الحب والتعب والجهد، وبقايا زهور الياسمين المتساقط فوق عتبة البيت.
∎ يبدأ من لون مشمش «أم حسين» يتحدّى رقة الجارة القريبة وحنانها وخوار بقرتها كل صباح.
∎ ويبدأ من ضحك الاطفال وهم يغسلون أرجلهم في المياه الباردة للسواقي، ويلقون فيها الفاكهة، لتبرد هي واصابعهم المعفّرة برائحة عشب الارض، الذي تمرغوا به يلعبون او يستريحون او ينامون، على وقع انسياب الريح بينه وبين خصول شعورهم المتموجة.
∎ يبدأ من رائحة الخبز والمناقيش الممزوجة برائحة الحطب والاعواد في الطابون والتنور.
∎ يبدأ من مشهد النساء والاطفال وهم يحملون الزوادات على الرؤوس وتحت الابط لسدّ جوع العاملين في الحقول وفي أمكنة البناء، حين لم يكن فيها الا البيض او الجبن او اللبن او الشنكليش، وفيها دوماً الزعتر والزيتون والبصل.
∎ يبدأ من خصام الجيران الذي غالباً ما ينتهي بالعناق، ومن روايات النساء عن بناتهن الجميلات، وحكايا الشبان المتجمعين حول إبريق الشاي عن الصبايا العاشقات وعن هموم الوطن وقضايا الحياة، وعن المستقبل ومن نجح ومن هاجر ومن عاد ومن مات.
∎ يبدأ من انتظار طويل لسيارة تعبر من خلف الكوع لتقلّك الى المدرسة، وأنت تجمع كتبك ودفاترك وأقلامك والسندويشات التي أُعِدَّت على عجل، وربع الليرة مصروف اليوم تغرق في جيبك تتحسسها بين الفينة والاخرى وتطمئن انك تستطيع ان تشتري الشوكولا او الكاتو او بعض الفلافل عند الظهيرة.
∎ يبدأ الوطن من صور شبان معلَّقة على الجدران، ما ان يجف غراؤها حتى تحل فوقها صور اخرى.
∎ يبدأ من صوت القصف والرصاص والانفجارات، وليال طويلة في الملاجىء دون ماء او كهرباء.
∎ يبدأ من صور الزعماء يخطبون عن القضايا والمصير وحال البلاد، والشباب الذي يتبعون خطبهم دون دراية او تفسير فيصبحون شهداء، ويبقى الخطباء ليعتذروا او يندموا، ويبقوا هم وابناؤهم زعماء.
∎ يبدأ من رواية الخندق وتلاحم الثوار وترابط القضايا، من باب التبانة الى القدس الى جونيه الى نيكاراغوا وهندوراس وفيتنام وكمبوديا وانغولا وروديسيا، ليلتحم الثوار مع الارض بعد ان يُطمروا في الخندق.
∎ يبدأ من نصرة القضايا العربية الى نصرة الثورات الاسلامية والثورة الاممية، الى التعلق بأول طائرة تحملك الى أبعد مكان عن بلدك، او التشبث بأول قارب ينقلك الى بلاد قد تستطيع فيها ان تستعيد بعضاً من نفسك ومن هذا الجنون الذي يحيط بك.
∎ يبدأ من الحواجز العسكرية لمختلف المنظمات السيادية التي تلزمك لا شعورياً أن تقرأ المعوذات، عسى ان تنفذ دون إذلال أو إهانة أو ربما اختطاف وتصفية.
∎ يبدأ من الخوف، عند كل منعطف او ناصية، من ان تنفجر بك عبوة او لغم او تطالك رصاصة قناص او رصاصة طائشة.
∎ يبدأ من قسوة الجوع والاذلال والاهمال والاهانة والتهميش، وانت ترى غيرك ممن لا يستحق يتمتع بثروات بلادك غصباً عنك، سرقةً او قسراً.
قد يبدأ الوطن من اي مكان، فلنسأل أنفسنا:
من أين يبدأ الوطن؟


