قرارات تربوية مثيرة في زمن الحرب … جويل خالد طبو .

طبو: الحائزة على ماجستير إدارة مؤسسات تربوية،
و أخصائية في علم القيادة من جامعة هارفرد و متخصصة في التواصل الفعّال من جامعة أكسفورد.
بين أصداء الحرب التي تعصف بلبنان وانهيار الوضع الإنساني في الجنوب والشمال، تطفو على السطح قرارات تربوية مثيرة للجدل، آخرها إعلان أحدهم عن إجراء الامتحانات الرسمية مهما كانت الظروف، حتى لو “تحت القصف”. قرار لم يحمل معه سوى تساؤلات حول الإنسانية، الأخلاق، والرؤية التربوية الحقيقية التي يجب أن تتبناها أي قيادة في ظروف استثنائية كهذه.
التعليم تحت القصف: تاريخ مكرر أم عبء إضافي؟
التاريخ اللبناني حافل بالمآسي، والتعليم تحت القصف ليس جديداً. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل التعليم بأي ثمن مبرر؟ مع كل الاحترام للرغبة في استمرار التعليم وعدم تعطيل حياة الطلاب، إلا أن الوضع الراهن في لبنان لا يمكن مقارنته بأي مرحلة سابقة. النزوح الجماعي، الانهيار النفسي، والمخاطر الأمنية تجعل قرار إجراء الامتحانات في هذا التوقيت تحدياً غير منطقي، بل وغير أخلاقي.
كيف يمكن أن تبرر هذا القرار؟ هل تم أخذ أصوات الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور بعين الاعتبار؟ هل تم تقييم الأضرار النفسية والاجتماعية التي قد يتعرض لها الطلاب الذين يعيشون في قلب الأزمة؟
“لا تتحدث باسم القطاع التربوي”
قراراتك لا تعبر عن القطاع التربوي، بل هي تعكس توجهاً سياسياً وانتماءً واضحاً يخدم مصالح فئة معينة على حساب المصلحة العامة. لا يمكن لأي قائد تربوي أن يتجاهل المعاناة الإنسانية التي يعيشها اللبنانيون في مختلف المناطق، في الجنوب و والبقاع الغربي والشرقي و الضاحية و بيروت، المدارس مغلقة بسبب القصف، و الأهالي يعانون من النزوح والصعوبات . كيف يمكن أن يُطلب من طلاب يعانون من هذه الظروف تقديم امتحانات رسمية؟
القطاع التربوي ليس مجرد مناهج وامتحانات، بل هو منظومة قيمية تعكس أولاً وأخيراً إنسانية القيادة ووعيها تجاه الأزمات. القرارات التي تأخذها باسم القطاع التربوي لا تمثلنا كمعلمين وأولياء أمور وطلاب، بل تمثل توجهاتك الفردية التي تخدم مصالح سياسية بعيدة كل البعد عن المصلحة التربوية.
تأجيل العام الدراسي: مطلب إنساني قبل أن يكون تربوياً
في مقالاتي السابقة، أكدتُ ضرورة تأجيل العام الدراسي وإلغاء الامتحانات الرسمية لهذا العام. الوضع الإنساني لا يسمح بالحديث عن تعليم منتظم في ظل قصف، نزوح، وأزمات اقتصادية خانقة. كيف يمكن لعائلات فقدت منازلها، وأطفال فقدوا أمانهم النفسي، أن يفكروا في الامتحانات؟
التعليم الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالأولويات الإنسانية. الأولوية الآن ليست لإجراء الامتحانات بل لحماية الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور من ضغط نفسي وجسدي غير مبرر.
دعوة لمراجعة القرارات والتوجهات:
ندعوك لمراجعة قراراتك المستعجلة وغير المدروسة. الوضع الراهن يتطلب قيادة تربوية استثنائية ترتكز على الحكمة والإنسانية، لا على العناد والمصالح السياسية.
تحدث باسمك الشخصي ولا تتحدث باسم القطاع التربوي. دعونا نتفق على أن هذه السنة ليست سنة دراسية طبيعية. أي محاولة لتصويرها كذلك هي جريمة بحق الطلاب وأسرهم.
القرارات التربوية ليست فقط مسؤولية، بل هي مرآة لأخلاقيات من يتخذها. والآن، أكثر من أي وقت مضى، لبنان بحاجة إلى قادة تربويين يفكرون أولاً في إنسانية الطلاب، قبل أي شيء آخر.
ختاماً، نقول: التعليم تحت القصف ليس بطولة، بل هو تجاهل صارخ للإنسانية. التعليم الحقيقي يبدأ عندما نضع أرواح الناس ومعاناتهم فوق كل اعتبار.


