خاص التحري نيوز

خاص : دلالات هزيمة المقاومة للعدو…

كتب المحرر السياسي في موقع ” التحري نيوز”

تتوالى الانتصارات في زمن النصر.. ليتفوق كل انتصار على ما سبقه بقيمته وعظمته ودلالاته وتجلياته.. فما حققته المقاومة في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر أتى حصيلة عام وشهرين تقريبا من الملاحم الاسطورية للمقاومين، وجسام تضحياتهم، وسيلان شلالات دمائهم التي روت أرض الوطن، تظافر ذلك مع جمر ثبات النازحين بصبرهم وصمودهم، وحجم الالتفاف والتضامن الوطني حولهم، ليشكلوا جميعًا سندًا عضيدًا لمقاومة صلبة متماسكة لم تسمح لجيش العدو ان ينفذ من حدودها الجغرافية ولا من حدودها الديموغرافية.
أولى تجليات النصر بانت تباشيرها على وجه رئيس الحكومة “الاسرائيلية” بنيامين نتنياهو الذي ظهر متجهمًا وهو يتلو “خطاب النصر”، مبررًا أسباب موافقة حكومته على وقف اطلاق النار، في محاولة يائسة لاقناع جمهور كيانه الغاضب وهو ما تمظهر في فقدان رؤساء مستوطنات الشمال اعصابهم وانتقادهم له لجرهم الى قتال طويل دون جدوى ودون أن يحقق ما وعدهم به.
ثاني تجليات النصر في الضفة المقابلة عبّرت عن نفسها في الفرحة العارمة على وجوه النازحين العائدين الى جنوب لبنان والبقاع والضاحية.. وهم يرفعون شارات ورايات النصر وصور شهيدهم الأسمى المقدس، ثابتون على عهد المقاومة لم يتزحزحوا قيد أنملة رغم هول ما أصابهم، فعبروا وعبروا على الملأ عن تمسكهم بنهج المقاومة وحفظهم لها ولخط شهدائها بأشفار عيونهم فكانت رسالتهم أعظم رسالة تحد لمن تسول له نفسه في الخارج والداخل بأن يمس قلبهم وروحهم المقاومة..
يكفينا هنا أن نقارن مشاهد عودة الجنوبيين والبقاعيين واهل الضاحية وردة فعل جيش العدو إزاءها بالمقلب الاخر شمال فلسطين المحتلة الذي علت فيه أصوات المستوطنين الغاضبين والرافضين للعودة لنستدل من خلال ذلك على هوية المنتصر من المهزوم. وإذا كان من المتوقع لهذا النصر المدوي للمقاومة أن تتفاعل ارتداداته الكبيرة على الكيان الغاصب برمته. فإن له ايضًا دلالات لا تعد ولا تحصى:
أولاً- يسجل للمقاومة تحقيقها أول انتصار بهذا الحجم الكبير في أطول معركة خاضها العرب جمة مع العدو استمرت ١٤ شهرًا فيما لم تتجاوز أطول حرب خاضها جيش العدو سابقا ٥٠ يومًا.
ثانيا- هو اول انتصار لقلة قليلة من المقاومين غلبت فئة كثيرة تمثلت بجيش جرار من 6 الى 7 فرق عسكرية قوامها ٧٠ الف من نخبة مقاتلي العدو المدججين بأحدث انواع الأسلحة والتكنولوجيا والمدعومين من دول العالم أجمع.
ثالثا- لعل اكبر هزيمة يمنى بها جيش العدو تحققت في هذه الحرب، بعدما ظهر عقيمًا وعاجزا .. فالجيش الذي كان “لا يقهر” و”الاقوى في الشرق الأوسط” لم يستطع خلال 60 يومًا التوغل أكثر من ثلاث كيليومترات في الأراضي اللبنانية مستغلاً مناطق تواجد قوات “اليونيفيل” احيانًا أو القرى التي لا تواجد للمقاومة فيها حفظًا لطبيعة تركيبتها الديموغرافية والطائفية.
رابعا – تراجعت هيبة جيش الاحتلال “الاسرائيلي” وتحطمت تحت نعال المقاومين.. فالجيش الذي كان يواجه جيوشا على عدة جبهات ويجتاح سيناء المصرية والجولان السورية ويصل الى بيروت في غضون ساعات وأيام وقف على أعتاب مارون وبنت جبيل والخيام وكفركلا وتكبّد خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.
خامسا-هشمت الحرب “الاسرائيلية” على غزة ولبنان صورة كيان العدو وجيشه الذي كلما فشل في الميدان كان يلجأ للانتقام من المدنيين في بيئة المقاومة بالقتل والتدمير والتنكيل والتهجير ما جعل صورته المهتزة في العالم تسوء بشكل متراكم حينما كشف عن وجهه العنصري والاجرامي الحقيقي.
سادسا – برز الفشل “الاسرائيلي” في سقوط كل الأهداف التي حددها نتنياهو لحربه على لبنان، فلا هو استطاع إعادة مستوطني الشمال بل إزداد عددهم، ولا هو أبعد حزب الله الى ما بعد الليطاني، ولا تمكن من تحقيق انجاز بري والاحتفاظ بمنطقة عازلة، ولا غيّر “الشرق الأوسط” كما إنتشى ببداية الحرب، فحصد خيبة مدوية، بفضل بسالة المقاومين الذين أربكوا حساباته، فاضطر مرغمًا النزول عن سلم أهدافه، بعدما فقد جيشه توازنه وبات غير قادر على مواصلة القتال وهذا ما لم يخفه نتنياهو نفسه حينما عدد اسباب وقف اطلاق النار ومنها ما يمكن وصفه بـ”ترميم الجيش”، كما لا تخفيه تصاريح كبار القادة العسكريين في كيان العدو.
سابعًا – لا ننسى أن عنوان وسبب هذه الحرب كان نصرة غزة التي قدمت فيها المقاومة أغلى ما لديها سواء بشهادة سيدها وأمينها العام الأسمى وكبار قادتها وخيرة شبابها أو بمواساتها بحجم الدمار والمجازر وبنزوح أبنائها من قراهم ومدنهم. وفي ذلك دلالات كبرى تثبت مدى تمسك المقاومة بمبادئها وقيمها العالية والرفيعة التي تتجاوز كل الاعتبارات المحدودة وتترفع عن الحسابات الضيقة، لصالح نصرة اهلها المستضعفين في فلسطين المحتلة وبذل الغالي والنفيس في سبيل نصرتهم على طريق تحرير القدس. والدليل على ذلك أن أكبر حرب خاضتها بمواجهة العدو كانت 33 يومًا في تموز عام 2006، بينما حربها اسنادها لغزة وصلت إلى ٤١٧ يومًا وحققت أهدافها، وهو ما يجله ويقدره أهل غزة أنفسهم الذين يعبرون يوميًا عن مدى امتنانهم لمن وقف معهم وساندهم وأولهم المقاومة اللبنانية من بين القلائل في العالم أجمع.
من كل ما تقدم من دلالات النصر المؤزر الذي حققته المقاومة خلال الحرب الأخيرة على لبنان، يحلو للكثيرين اليوم أن يستعيدوا كلام سيد مقاومتهم وقائدها الشهيد الأقدس السيد حسن نصر الله الذي وإن غاب عنهم جسدًا لكن روحه وكلماته بقيت لترسم وحدها ليس خريطة لبنان بل خريطة “الشرق الاوسط”، بعدما ثبت مرة جديدة أن “اسرائيل” أوهن من بيت العنكوت” وأن “لبنان دخل زمن الانتصارات وولى زمن الهزائم”..

 

 
زر الذهاب إلى الأعلى