خاص التحري نيوز

اركض فورست اركض … د . خالد جمال

يعلم الذين حاولوا تعلم لعبة كرة القدم بشكل احترافي، باحد انواع التدريب من اجل زيادة رشاقتهم وسرعتهم في الحركة، وهو القيام بتعليق اثقال في اقدامهم لفترة من الوقت، بحيث تصبح حركة اللاعب بعد ازالتها خفيفة ورشيقة وتزداد سرعته وقوة تحمله وقدرته على الصمود في الملعب ، وهذا ما حدث مع فورست، الذي ادى دوره الممثل الاميركي الشهير توم هانكس، في فيلم فورست غامب الذي تم عرضه عام 1994، حيث انطلق الغلام، الذي سورة رجليه طوال طفولته الاسلاك المعدنية من اجل تقويمها، انطلق راكضا خوفا من رعب المستنمرين، وهو رعب عاناه معظم الاطفال، وفي محاولة هروبه هذه تخلص من الاسلاك التي تحيط بقدميه فاذا به يكتشف في نفسه قدره هائلة على العدو بسرعة فائقة ودون تعب . ومذاك اليوم وهو يركض نحو هدف يجهل طبيعته ونوعه ولكنه يركض عسى ان يعثر عليه . بينما صدى صوت رفيقته يصدح في اذنه اركض فورست اركض.
وهكذا اذن نمضي في هذه الحياة، تدفعنا اثقالنا الى الارض وتثبتنا بها وتعيق حركتنا، ولكن ما ان نزيح هذه الاثقال، ونسعى نحو هدف ما قد لا ندرك ماهيته، حتى ترانا منطلقين و محلقين و رشيقين، نركض، بعضنا على هدى نفسه وبعضنا بدونه ، ولكن في غمرة ركضنا حيث تتحرك كل عضلة في اجسامنا، ويملاء العرق جلودنا وينهال من فوق جبيننا، ويرتفع صوت لهاثنا، وتزيد زفراتنا، ويخف وعينا، ويتوسع نظرنا، ويبهت سمعنا، بحيث لانكاد نسمع الا صوت اقدامنا تطرق الارض من تحتنا، ودقات قلوبنا تطرق مقدمة صدورنا، في غمرة هذا كله نحس بسعادة فائقة تلهينا عن البحث في حقائق الحياة وعبثيتها .
هكذا اذن نمضي راكضين نحو نهاية الطريق، ساعين لتحقيق اهداف واحلام، دون ان ندرك ان الهدف الحقيقي هو عبور هذه الطريق، بهناء وشرف وكرامة، بغض النظر عن مراتبنا ومواقعنا ومن نكون، وبغض النظر عن فقرنا او ثرواتنا، وبغض النظر عن قدراتنا، ففي النهاية من يحدد طبيعتنا هو خياراتنا وليس قدراتنا . لم يقل لي احد ولم اعرف احدا جلبت له الاموال والثروات السعادة، وبالطبع الفقر لم يجلبها ايضا، ولم اعرف احدا جلبت له المعرفة السعادة، والجهل لم يجلبها ايضا، ولم اعرف احدا جلب له النفوذ سعادة وبالطبع لم يجلبه الضعف ايضا، ولكني اعرف بان الحرية والكرامة والعمل الشربف ولقمة الخبز النظيف جلبتها للكثيرين .
هكذا اذن نمضى راكضين نحو نهاية الطريق وكلما تقدم بنا ، تتغير الصور والوجوه من حولنا ، تختفي الاشجار السامقات ويحل مكانها بساتين من اشجار مثمرة او بيوت جميلة او ابنية عالية شاهقة ، تختفي الساحات والدروب القديمة ويجلس مكانها طرق مختلفة ودروب متناثرة ، تختفي برودة الجو وتزداد الرطوبة العفنة وتكثر من حولنا تجماعات القمامة بدل الزهور والورود . والوجوه تتغير ايضا تختفي وجوه وتظهر وجوه بينما تدرك انك صورة غيرك ايضا وانها لا محالة ستتغير ولكنك تمضي يؤازرك الانكار وتؤنسك الكذبة ، آه كم لهذا الانسان من قدرة على الاحتمال.
ليس صحيحا ان الحياة تمضي، الصحيح هو اننا نمضي على دروبها، وغير صحيح ان الولادة هي بداية الحياة بل الصحيح انها بدء العد العكسي، فنركض خلفه نسابقه علنا نترك رمشة ريشة ملونة على صفحتها البيضاء. لم تكن شيئا ثم اصبحت ثم بقيت باثرك الى الازل، رمية رام ، قبضة رمل ، زلة قدم ، او ضربة ازميل في الصخر.

 

 
زر الذهاب إلى الأعلى