خاص التحري نيوز

«عمر الفاروق» … د. خالد جمال

استمتعت كما استمتع غيري بالمسلسل التلفزيوني التاريخي الديني، الذي قدمته شاشة «أم. بي.سي» خلال شهر رمضان الماضي.
المخرج المبدع حاتم علي والمفكر وليد سيف
وبسبب متابعتي لأعمال المخرج المبدع حاتم علي، وبالأخص لتلك الأعمال التي يؤلفها ويصيغ السيناريو لها الكاتب والمفكر وليد سيف، لم أُفاجأ بجودة العمل من كل النواحي:
بدءاً بالتصوير مروراً بالموسيقى وإنتهاءً بأداء الممثلين، الذين أجادوا في تقمّص الأدوار وإن اختلف مستوى الجودة في الأداء بين الحلقات.
ولكن، ومع احترامي الشديد لعمل المخرج، يبقى الطاغي هو النص، الذي صاغه الدكتور وليد سيف، وإن كان محصوراً ومراقباً من لجنة العلماء المشرفة على العمل، إلا أنه استطاع أن يقدِّم ما يطمح إليه من أفكار مهمة، كما فعل في كل نصوصه السابقة التي قام بإخراجها الأستاذ حاتم علي.
من أعمال سيف:«الزير سالم»
وللدقة فإني ومن خلال متابعتي لأعمال وليد سيف، لاحظت بأنه يقوم بإختيار فكرة رئيسة يبني عليها توجه المسلسل، فتتطور معه دون أن ينزعها من سياق الأحداث المثيرة التي ترضي أذواق المشاهدين المختلفة.
ومثالاً على ذلك اختار في «الزير سالم» فكرة ضياع القبائل العربية بين واقعهم كقبائل تعيش في الصحراء على الرعي والغزو، وبين توقهم إلى إنشاء مملكة أو دولة تُخرجهم من طور البداوة، رغم خوفهم منها، ومما قد يحمله لهم المُلْك من حدٍّ لحريتهم وشغفهم بالفروسية والصيد واللهو والغزو، أي بالمختصر هو الصراع بين البداوة وبداية النشوء الحضري.
ومن الأعمال «صلاح الدين الأيوبي»
أما في مسلسل «صلاح الدين الأيوبي»، فكانت الفكرة الرئيسة تدور حول الخلاف التاريخي بين «نور الدين زنكي» و«صلاح الدين الأيوبي»، والذي سال حوله الكثير من الحبر.
«صقر قريش»
وفي مسلسل «صقر قريش» كانت الفكرة الرئيسة حول الصراع على السلطة وشرعيتها بين الأمويين والعباسيين، والذي لبس حلّة العصبية العربية عند الأمويين، مقابل التحالف مع الفرس عند العباسيين.
«التغريبة الفلسطينية»
أما في «التغريبة الفلسطينية» فكان العنوان يكفي للدلالة على كل التناقض المسموح بذكره، والذي يمكن أن يولد في نفس من فقد أرضه وهويته الوطنية، وصارع أولاً من أجل البقاء على قيد الحياة في مجاهل الأرض، بينما يحمل حلم العودة في ثنايا صدره وثانياً من أجل حفظ هويته الوطنية من الزوال.
سعي سيف لتقديم حلول لما يطرحه
الملفت في الأمر أن المفكر وليد سيف كان دائماً يسعى إلى تقديم حلول لهذه الإشكالات، وهي كانت تُبنى على مدار المسلسل بطريقة منطقية وموفقة، دون أن يبثَّ البغض أو الكره، خاصة في اللحظات الحساسة التي تمسُّ معتقدات المذاهب والفرق الدينية أو حتى القومية، فيجعل الأمر يبدو منطقياً وهو ينساب في مساره الطبيعي التاريخي.
في مسلسل الخليفة العادل الفاروق عمر
في مسلسل عمر حاول أن يجد فكرة، يبني عليها فكرة الخلاف والتناقض تمهيداً لإيجاد الحلّ في شكل منطقي، فتوفق في إبراز عدم الاتفاق بين عمر والخليفة أبو بكر، ومن ثم وبشكل أكثر حدة، في علاقته بخالد بن الوليد ونظرته إلى أفعاله، إلا أنه تجنب إبراز أي خلاف أو تناقض مع الإمام علي، رغم التلميح إلى ذلك في أكثر من مناسبة.
مسألة خلافة الرسول
يبقى أن نشير إلى أنه عالج بشكل جميل مسألة الخلافة بعد الرسول الكريم والنقاش الحر والراقي الذي جرى في «سقيفة بني ساعدة»، حين احتدّ النقاش بين الأنصار والمهاجرين، فتناقشوا وتوصّلوا إلى النتيجة التي رأوا فيها مصلحة المسلمين.
الجزية: لا إكراه في الدين
وكذلك كان للحوار الذي دار بين «الأمين أبو عبيدة» و«العرب التغالبة» أثر جميل وخاصة في موضوع تعريفه للجزية ومقارنتها بالزكاة، إلا أن لا إكراه في الدين، لذلك فُرضت الجزية على أهل الكتاب بدل الزكاة، لأنها (أي الزكاة) ركن من أركان الدين.
أحدث إختراقاً
أتمنى أن يستمرَّ هذا التعاون الراقي والمفيد بين المخرج حاتم علي والكاتب المبدع وليد سيف، ليقدما لنا المزيد من المتعة والفائدة وبعض الحلول، خاصة في المسائل التاريخية التي تحمل التباساً بين أبناء الأمة إلى اليوم، وأقول بأنه يكفي المسلسل بأنه أحدثَ اختراقاً في موضوع تجسيد الشخصيات الدينية التاريخية ليكون ناجحاً إلى أبعد حدود.

 

 
زر الذهاب إلى الأعلى