خاص التحري نيوز

خاص : هل انتصرت المقاومة.. وما المعايير العلمية التي تحدد سردية انتصارها؟

كتب المحرر السياسي في موقع ” التحري نيوز”
لم يجتمع اللبنانيون يومًا في تاريخهم على قراءة موحدة للأحداث ولا على موقف واحد من الاستحقاقات التي تداهمهم، فبدل أن يتلاقوا لمصلحة لبنان يفترقون عند المنعطفات الخطرة. يتباينون عند انتخاب رئيس للبلاد أو تشكيل حكومة، لكن مكمن الخطورة يكمن حين يتسلل الخلاف ليطول قضايا مصيرية تهدد أصل وجود لبنان ومصيره كمساحة جغرافية وكحالة وطنية نهائية لجميع اللبنانيين.
صحيح أن لبعضهم مواقف مناهضة للمقاومة ولأصل وجودها كحركة تحررية ودفاعية عن لبنان، إلا أن هؤلاء الذين يجعجعون دومًا بكيل الانتقادات لا يقدمون بدائل أخرى تحمي لبنان بمواجهة اعتداءات الكيان “الإسرائيلي” المتواصلة منذ عام ١٩٤٨، والذي فرض بوجوده وعدوانه المتكرر نشوء حالة مقاوماتية اقتضتها الضرورة، تبناها أبناء الارض الذين عايشوا ٧٦ عامًا من الاضطهاد والاحتلال ووجدوا أنفسهم دومًا في دوامة التهجير والتجزير، دون أن تسأل عنهم دولتهم أو توفر لهم الحماية التي تعد أحد أهم واجبات قيام الدولة الحديثة.
اختلاف وتباين اللبنانيين حول مفهوم المقاومة لطالما قادهم إلى التباين حول نتائج ما تحصده في مواجهة حروب العدو من تحرير الأرض كما حصل عام ٢٠٠٠ والدفاع عن لبنان كما عام ٢٠٠٦ وفي الحرب الأخيرة عام ٢٠٢٤. أحد ابرز تجليات هذا التباين برزت في تقييم انتصارات المقاومة، وهذا بدا واضحًا بعدما وضعت الحرب الأخيرة أوزارها إذ ذهب كل منهم لتقييم نتائج الحرب وفقًا لمنطلقاته الخاصة وتوجهاته السياسية بعيدًا عن التجرد والقياس العلمي العسكري، وبعيدًا عن المرتكزات الوطنية التي تحدد “إسرائيل” كعدو لجميع اللبنانيين.
ينطلق المتبنون لسردية “هزيمة المقاومة” جميعهم وإن اختلفوا في تعابيرهم من نقطة واحدة هي حجم الخسائر والدمار الذي ألحقه الجيش “الإسرائيلي” بلبنان، فيصف بعضهم نتيجة الحرب بـ”هذيان النصر” فيما يراه آخرون بأنه “هزيمة تاريخية” معتبرين أن الهدف دومًا رفع شعارات النصر على حساب تدمير لبنان كدولة. وبين هذين يبرز رأي ثالث فلا يرى “لا نصر ولا هزيمة بل دروس للمستقبل”.
بالطبع ليس هكذا تورد إبل “النصر والهزيمة” وإلا لكانت مدينة “ستالينغراد” التي حولها الألمان في الحرب العالمية الثانية إلى أنقاض وأطلال ودمروها عن بكرة أبيها مهزومة وفق معايير هؤلاء الذين ينسون أو يتناسون أن المقاومة اللبنانية تخوض حرب عصابات لا متماثلة وليس حربًا كلاسيكية بين جيشين لا يصح معها مقارنة النصر والهزيمة وفق معايير ميزان القدرات العسكرية الراجح حتمًا لصالح العدو ولا يصح أيضًا قياسهما وفق معيار النتائج المادية كالخسائر المادية. إنما يكون القياس الصحيح والعلمي أولاً، وفق المعايير العسكرية البحتة، وثانيًا، بالاستناد إلى القدرة على الصمود والثبات وبقاء روح المقاومة، وثالثًا، وفق مدى النجاح في إفشال أهداف ومخططات العدو ومنعه من تحقيقها، ورابعًا، حسب القدرة على تكبيده الخسائر الفادحة، وخامسًا، النجاح بمنعه من إخضاع البلد وإعادته إلى العصر “الإسرائيلي” كما حصل عام ١٩٨٢. فإذا ما عدنا لمصاديق تلك المعايير وأسقطناها على الوقائع والأحداث وما آلت إليه نتيجة الحرب الأخيرة يمكننا أن نفهم طبيعة الانتصار الذي تحقق وظروفه وأسبابه. والتي يمكن إيجازها على النحو الآتي:
أولاً. بمعيار العلم العسكري، يكفي أن نجري مقارنة سريعة بين اجتياح الجيش “الإسرائيلي” للبنان ووصوله إلى بيروت عام 1982 خلال ستة أيام، واجتياحه بسرعة للجولان وسيناء بمواجهة الجيشين السوري والمصري عام 1967 وبين زجه بسبع فرق عسكرية ناهز عديدها الـ 70 ألف جندي دون أن تتمكن خلال ستين يومًا من احتلال قرى أمامية حدودية أو اجتياز مسافة 5 كلم داخل الأراضي اللبنانية، بفضل الملاحم البطولية التي سطرها المقاومون. فهذا بحد ذاته نصر وإعجاز إلهي يشهد به العدو يومياً على لسان أبرز قادته.
ثانياً. رغم ما تعرضت له المقاومة من ضربات قاسية ومؤلمة كانت كفيلة بإسقاط أكبر الجيوش لو أصابتها، فقد خسرت كبار قادتها وعلى رأسهم أمينها العام، ومع ذلك استعادت عافيتها، ورممت قوتها، وأمسكت بزمام المبادرة، وصمدت وثبتت ولم تتزحزح. ورغم هول المجازر وحجم الدمار لم تستطع الحرب أن تنزع روح المقاومة من بيئتها التي تجذرت أكثر فأكثر.
ثالثاً. منعت المقاومة العدو من تحقيق أي من أهدافه التي حددها بداية الحرب، فلا هو قضى على المقاومة، ولا وصل إلى الليطاني وفرض منطقة عازلة ولا أعاد مستوطنيه حتى اللحظة، ولا غير الشرق الأوسط. عجزُ العدو عن تحقيق أي من هذه الأهداف قاعدة أساسية يرتسم من خلالها بوضوح من المنتصر ومن المهزوم في هذه الحرب.
رابعاً. ألحقت المقاومة خسائر فادحة بالعدو وراكمت بالنقاط نتائج سيل الضربات النوعية مجبرة إياه على الانكفاء والتراجع بعدما وضعته بين فكي كماشة تحمل خسائر التوغل البري لقواته وضغط الجبهة الداخلية. ما اضطُره للتراجع وتوسيط واشنطن لإيجاد مخرج سياسي له عبر اتفاق وقف إطلاق النار الذي حصل.
خامسًا. عودة لاجتياح 1982 نجد أن العدو لجأ بعد سيطرته على العاصمة بيروت إلى فرض رئيس جمهورية على اللبنانيين بالدبابة “الإسرائيلية” كما فرض على لبنان توقيع اتفاق استسلام في 17 أيار 1983، وأدخل لبنان في العصر “الإسرائيلي” دون أن ينازعه أحد في ذلك، لكن سمة اتفاق وقف إطلاق النار الذي وافقت عليه الحكومة اللبنانية ومن خلفها المقاومة مؤخرًا كان حفظ السيادة اللبنانية وعدم التفريط بحبة تراب من لبنان.
على أساس هذه المنطلقات الخمسة الموضوعية والعلمية الدقيقة يتحدد مفهوم النصر وتبنى سرديته حصرًا.. وكل نقاش مغاير هو أحكام مسبقة منطلقها إما سياسي ضيق أو لا وطني حاقد ولا محلَّ لكليهما من الإعراب. والمؤسف أن تجد المقاومة اليوم بعد كل التضحيات التي قدمتها على مذبح الوطن، أن عدوها الذي قاتلته ينصفها بشهادات قادته أكثر مما ينصفها بعض الانعزاليين أصحاب المشاريع الضيقة من الساسة اللبنانيين.

 

 
زر الذهاب إلى الأعلى