الثورة السورية أكبر

… د. خالد جمال.
إنها اسطورة، إنها ملحمة تاريخية، تدور في مدن وأرياف بلاد الشام، لم تترك باباً إلاّ وطرقته، لم تترك نافذة إلاّ وعصفت بها، ولم تترك شجرةً إلاّ وأحرقتها، ولم تترك حصاناً إلاّ وخصته، ولم تترك بئراً إلاّ وجففتها، ولم تترك طائراً إلاّ وأسقطته، ولم تترك جُرحاً غائراً في الذاكرة إلاّ وفتحته.
كشفت العيوب المختبئة
أسطورة الثورة السورية أتت كموجة البرد القارس، لتكشف العيوب المختبئة في الأبدان الضعيفة فأخرجتها إلى العلن، فلا تتفاجأوا من كثرتها ومدى سقمها، بل المفاجأة في قصورنا عن تشخيصها سابقاً، وهي التي ملأت الأبدان بالعلل التي لا شفاء منها، حتى وإن لجأت إلى الجراحة أو الكي أو العلاج الكيميائي.
النظام من أول الساقطين وتبعه الحلفاء
تساقط على عتباتها الجميع، كما يتساقط طائر الفرّي، الذي يحمل نفسه عبر البحر، على شواطىء المتوسط، كان أول الساقطين هو النظام بخديعته التاريخية، وبطرق حكمه وبتحالفاته الداخلية والخارجية، ثم تبعه الحلفاء الإقليميون والدولييون، ثم سحبوا معهم السياسيين العرب والغربيين، ثم لحقت بهم المنظمات الدولية الأممية السياسية والاقتصادية والطبية والإنسانية، وأمتد السقوط ليشمل المنظمات الثورية والجهادية، وانتهى أخيراً عند أهل الفكر والثقافة والإعلام.
فرز للحقائق ونسف للأوهام
إنها أسطورة يخشى كل واحد أن يقلب صفحة في دفاترها، لأنه لا يعلم ما تخبىء له الصفحة التالية من فرز لحقائق أو نسف لأوهام. هي صندوق العجائب الذي ما فتىء يفاجىء كل من ينظر إلى داخله، إلى عمقه وسعته وامتداده في الزمن والجغرافيا، وإلى رمزيته في كل الأبعاد الإنسانية مذ بدأت هذه البشرية تفلح الأرض وتُخبىء بين صخورها أسرارها.
المنتمون لها
الثورة السورية أسطورة ينتمي إليها الأطفال قبل الشباب وقبل الرجال، والصبايا قبل النساء، والفلاحون والعمال قبل المتعلمين وقبل المثقفين، وأهل الريف قبل أهل المدن، وأهل الجبل قبل أهل الساحل، وأهل البادية قبل أهل الحضر، وأهل الأطراف قبل أهل المراكز.
ينتمي إليها الفقير قبل الغني، والضعيف قبل القوي، والعاطل قبل العامل، والصياد قبل مالك الزورق، والأجير قبل صاحب العمل، والعامل قبل صاحب الصنعة.
ينتمي إليها العشاق المتألمون قبل السعداء، وينتمي إليها السامعون لأصوات الفجر وهو يتنفس، والبحر وهو يهدر، والجبل وهو يزمجر، والنبات وهو يتنهد.
كلهم دون استثناء ينتمون إليها، ويحلمون بأن تنتصر ليلى على الذئب، وأن يهرب الغول إلى الغابات، وأن تذرف العنقاء دمعة تحيي ما أحاله الغول ركاماً.
إنها ملحمة سيعجز «دانتي» عن كتابة تفاصيلها وما التفّ حولها من حكايا شعبية ورسمية، ولن يستطيع أن يلتقط خيط الدم الذي يدرز حوافيها، ولا أن يمشي وراءه إلى النهاية.
لن ينتصر الظلم مهما طال عمره وعمر الظالمين
إنها «إلياذة» سيعجز «هوميروس» عن صياغتها بكلمات، ففيها ألف «حصان طروادة»، وفيها ألف ألف «آخيل»، وفيها تاريخ من الألم لن تستطيع الكلمات أن تعبّر عنه، وفيها شطآن تمتد على مدى التاريخ محملة بقصص الذين ارادوا خداع التاريخ، فلطمهم فشجّ منهم الرؤوس وبتر منهم الأطراف، وأعادهم إلى حيث هي الحقيقة، وهي دوماً واحدة: لن ينتصر الظلم مهما طال عمره وعمر الظالمين.
الثورة السورية أكبر
الثورة السورية أكبر من كل ما يدور حولها من خداع، سواء جاء بالكلمات أو بالأفعال.
الثورة السورية أكبر وإن إتّحد عليها الشرق والغرب. الثورة السورية أكبر وإن خانها بعض من في الركب من أبنائها.
الثورة السورية أكبر فلا تهتموا لأن التاريخ قد أدرك السكّة التي تاه عنها طويلاً وها هو عائد محملاً بالزيتون والرمان وصابون الغار وعصير الليمون ومربى السفرجل.


