خاص التحري نيوز

من اليسار إلى اليمين … د . خالد جمال

إنه ثالث مقال لي في 24 ساعة مضت، أو يمكن أن نسميها خاطرة، كما وصفها الدكتور خالد زيادة أثناء نقاش كتابي (غوركا). وأنا لا أريد أن أثقل على القارئ، ولكن الأفكار تزدحم، وإذا لم تجد متنفساً، فإنها تؤدي إلى الاحتقان والاختناق، فكان لا بد من الكتابة.
وقبل الإجابة عن عنوان هذا المقال، لا بد من طرح السؤال: لماذا يكون الإنسان يسارياً أصلاً؟ لأنه لم يجد العالم جيداً كفاية لحياته، وأراد أن يجعله مكاناً أفضل. ولكن ماذا لو أثبتت التجربة أنه أصبح أسوأ مما كان عليه؟ عندئذٍ ليس عليه إلا أن يعود إلى قواعده، أي إلى اليمين، الذي يؤمن بالتطور والانتقاء الطبيعي على حساب الثورات والانتفاضات. ثم سؤال آخر: هل هناك علاقة عمرية بين المعتقد وصاحبه؟ بمعنى آخر، هل ينحو الشباب إلى التغيير، ثم حين ينضجون يفضلون الاستقرار على حساب الفوضى التي يمكن أن يسببها التغيير؟
لنعد إلى موضوعنا، لقد مرت التجربة اليسارية في كل أنحاء العالم بمرارات أين منها طعم العلقم، ومع ذلك ما زال هناك أناس يعتقدون بضرورتها وجواز نجاحها. المثال الأوضح عن سوء تجربة اليسار هو الاتحاد السوفيتي، الذي انهار واندثر كما تنهار شجرة نخرها الدود، حتى لم يبقَ إلا اللحاء. أما التجارب الأخرى، ككوريا الشمالية وفنزويلا وكوبا، فهي تتميز بالبيروقراطية وقلة الحيلة وضعف المخيلة والانفصال عن الواقع وعن العالم، وطبعا بالفقر والعوز المدقعين، وهذا أيضا يميز اليسار ونهجه الاقتصادي. أما إذا تكلم أحد عن الصين، فهي المثال على قدرة اليسار على اجتراح حلول يمينية لمشاكله، فقد اعتنق الرأسمالية اقتصادياً، وأبقى السياسة في عهدته، ولكن إلى متى؟
أما في بلادنا، فإن من يدعي أنه يساري وهو ليس كذلك، فقد تحالف مع كل الأنظمة الرجعية الزائلة، وتلك التي على طريق الزوال، تحالف معها وأيدها ونظّر لها، وطبعاً حجته وحجتها: فلسطين المحتلة، والتصدي للإمبريالية الأمريكية. وإن كانت قضية فلسطين جرحاً غائراً لم نحسن التعامل معه حتى التهب وتقيح ونزف، فإن ما فعلته الأنظمة (المقاومة) هو أنها رشت الملح وغرزت السكين في هذا الجرح، حتى كدنا نهلك جميعاً بفعل الألم. أما الإمبريالية والتصدي لها فهي خدعة أخرى من خدع المقاومين، الذين هم على طريق الزوال، فكل تمنياتهم وأحلامهم أن يلتحقوا بالإمبريالية ويخدموها بإخلاص، اعتماداً عليها كوكلاء للأعمال في المنطقة.
مشكلة اليسار في المنطقة، بالإضافة إلى أوهامه وهذيانه، أنه أقلوي. ومن كان من هذا النوع ينفصل عن الواقع ولا يميز الحقيقة ولا يستطيع أن يرى الصورة كاملة، ولا أن يحدد أولويات المنطقة وجدول أعمالها.
ونختم مع قول المتنبي:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً
وحسب المنايا أن يكن أمانياً

 

 
زر الذهاب إلى الأعلى