أين موقع سورية الجديدة في مواجهة “إسرائيل”؟.

كتب المحرر السياسي في موقع ” التحري نيوز”
يقبل العام الجديد 2025 مثقلاً بتحديات كبيرة ورثها عن مستجدات العام السابق الذي شهد تحولات دراماتيكية في المنطقة بأكملها، كان آخرها سقوط النظام السوري السابق، وما يمكن أن يخلفه ذلك من تداعيات وارتدادات على دول الجوار ومنها لبنان، سيما وأن السلطة الجديدة في سورية ينتظرها مهمات جمة، سواء على صعيد التحديات السيادية والسياسية ومنها تثبيت استقرار ووحدة سورية وصياغة نظام حكم جديد تشترك فيه كافة شرائح وملونات الشعب السوري، أم على صعيد التحديات الاقتصادية والمعيشية، ومنها رفع الحصار والعقوبات عنها واستعادة موارد سورية النفطية، أو على صعيد التحديات “الجيو سياسية”، لجهة تعريف العدو من الصديق وما يرتبط بموقع سورية من الصراع العربي- “الإسرائيلي” وموقفها من مقاومة “إسرائيل” في ظل توسيع الأخيرة لرقعة سيطرتها على الأراضي السورية.
أمام هذه التحديات الكبرى؛ وبينما تعدّ مسألة انتقال السلطة أو الصراع عليها مجرد تفصيل بسيط في صورة المشهد العام في خصم التحولات والعواصف الكبرى التي تشهدها المنطقة؛ بل والعالم أجمع، سيما وأن تقرير مصير سوريا تبقى مسألة داخلية يقررها السوريون بأنفسهم.. فإن الأصل والأساس هو شكل سوريا المستقبلية وموقعها المستقبلي في الصراع مع “إسرائيل”، بعد عقود من العداء معها. فالسؤال: هل سيناصر الحكم الجديد أصحاب الحق والأرض في فلسطين؟، هل سيقفون إلى جانب الشعب الفلسطيني في مواجهة حرب الإبادة التي تشن يوميًا عليه، أم سيتقاعسون ويتخاذلون كباقي العرب؟!.
مما لا شك فيه أن العدو “الإسرائيلي” يدرك جيدًا موقع سوريا المفصلي في الصراع ضده، فهو لطالما حاول تركيعها بالحروب ومفاوضات “السلام” والمؤامرات؛ لكنه فشل..، حتى أتته اللحظة التاريخية السانحة والمفصلية، لحظة انتقال السلطة من ضفة إلى أخرى، فاستغل ما أحدثته من فراغ وضياع انتفت فيه روح مقاومة الجيش السوري بعد حصار وعقوبات عاناها لسنوات طوال، ما أضعف إرادته في القتال وحوّله فريسة سهلة دفعت العدو إلى الانقضاض عليه، والتهامه كلقمة سائغة على وليمة أعدّها سيده الأميركي بمساندة دول أخرى.
في هذا السياق؛ يبدو أن ثمة مسار واضح انطلق لنقل سورية وموقعها في الصراع من ضفة إلى أخرى؛ فما نطق به رئيس هيئة تحرير الشام أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) حيال عدم وجود نية لقتال “إسرائيل” بالتزامن مع ما مارسه العدو ميدانيًا على الأرض، لجهة احتلال مناطق واسعة من الأراضي السورية وسيطرته على القنيطرة وجبل الشيخ الذي خصه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بزيارة مؤخرًا، بالتوازي مع مطالبات بعض الدروز بضمهم لـ”إسرائيل”، إذا ما ضُمّ كل ذلك الى قرار الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب في ولايته السابقة بضم الجولان إلى الكيان الاحتلال، وتجديد كلامه مؤخرًا عن صغر مساحة “إسرائيل”، يقودنا إلى مكان واحد لا مجال فيه للشك؛ وهو أن المشروع الأميركي المعدّ لسوريا هو تقسيمها إلى دويلات متناحرة قد بدأ تنفيذه فعلاً.
لقد عبّر هذا المشروع عن نفسه بمخطط نتنياهو الذي أعلنه صراحة أكثر من مرة عن “الشرق الأوسط الجديد”، ولعل كل ما جرى في سوريا حتى الآن يؤكد، بشكل مباشر، أن هدفه كشف ضهر المقاومة وقطع خطوط إمدادها ما يعني تحقيق أمن “إسرائيل”. وهذا ما يؤكد صحة موقف المقاومة، بأنّ كلفة أي عمل مقاوم تبقى أقل بكثير من كلفة الاستسلام التي ظهرت معالمها واضحة في مشهد اجتياح العدو “الإسرائيلي” لمساحات شاسعة من أراضي سورية بمجرد أن ألقى الجيش السوري سلاحه، وتخلى عن روح المقاومة، فكانت النتيجة تدمير في ساعات مقدرات سورية الاستراتيجية التي بناها على مدى عقود من الزمن، فيما لم تشفع لسورية كل القرارات الدولية التي لا أساس لها في قاموس “إسرائيل” التي دعست عليها، وتجاوزت مناطق فض الاشتباك وغيرها.
خلاصة الأمر، إن تنجح واشنطن ولو متأخرة بتحييد سورية بعدما حيّدت الأردن ومصر وحركة فتح بمعاهدات ما سمي بـ”السلام”، فذلك تجييره بالدرجة الأولى لصالح أمن “إسرائيل”، وسيكون على حساب فلسطين ولمصلحة تصفية قضيتها. وفي سياق إعادة ترتيب الشرق الأوسط والدول المجاورة لـ”إسرائيل”. ودفعها دفعًا لصفقة القرن والتطبيع معها..
لقد بدأت أصوات تعلو في بعض الدول العربية التي استشعرت خطورة ما جرى في سوريا، محذرة من تفتيت سورية وانعكاسات ذلك عليها، ولات ساعة مندم.. يوم تحين ساعة تلك الأنظمة، وقد بدأت تقول في سرها “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”.


