شعب واحد في بلدين … د . خالد جمال

شعار طالما بقينا نقرأه ،طوال فترة تواجد القوات العسكرية السورية الرسمية في الداخل اللبناني، وهو شعار اطلقه الرئيس الراحل حافظ الاسد، للتأكيد على وحدة المسار والمصير، التي تربط المجموعات البشرية التي تقيم على ضفتي حدود البلدين، اللذين نشاء بفعل تقسيمات اتفاقية سايكس – بيكو الشهيرة، ولم يعترض اللبنانيون باغلبهم يوما على معنى ومضمون الشعار، فرغم التقسيم السياسي والاداري بقي الترابط عبر الحدود قائما، متجاوزا العلاقات التجارية والمصالح الاقتصادية، الى العلاقات التاريخية العائلية والعشائرية والدينية والمذهبية، ولكن كان الاعتراض هو على السياسة المتبعة في ادارة الازمة الللبنانية، من قبل مطلق هذا الشعار، وطريقة تنفيذها- التي بلغت من البشاعة حدا كادت ان تمحومعه معالم لبنان السياسية والاقتصادية والاجتماعية ،بعد ان نجحت في طمس معالم سوريا نفسها بكل ما في الكلمة من معنى.
وبينما كان يتم طمس معالم سوريا الاجتماعية بشكل متعمد، تحت شعارات حزب البعث والاقتصاد الاشتراكي ! وتمزيقها وتغيير طبيعتها السكانية والثقافية، كان ينمو في التوازي ببطء، وبشكل سري ولكن باصرار، جذور للعلاقات بين الطوائف والمجموعات البشرية التي تقيم على طرفي الحدود، كل وفق مجموعته وانتمائه، وذلك لاستشعار هذه المجموعات بالخطر القادم على مصيرها بعد تفاقم التصاق النظام ببعض اقليات هذه المجموعات، على حساب اغلبياتها، وضخ هذه الاقليات بالفوائد والمميزات التي توفر لها تفوقا في النواحي المادية التجارية والثقافية وغيرها، وبعد الدخول العسكري للبنان بدأ هذا الفرز ياخذ شكلا اكثر وضوحا، ولا عجب اذ ان النظام نفسه اعتمد في واحدة من اسباب شرعيته الرئيسية على فتوى صادرة عن الامام موسى الصدر رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، وتعتبر هذه الفتوى ان الطائفة العلوية هي احد طوائف الشيعة ،مما اتاح للرئيس الاسد الوصول قانونيا الى منصب رئاسة الجمهورية السورية. مع العلم ان الفتوى الاولى التي صدرت بهذا الشأن كانت من مفتي الديار المقدسة في فلسطين الشيخ امين الحسيني (بطلب من رياض الصلح ،كما يزعم كتاب صعود العلويين السريع لمؤلفه حسآن القالش)
واستمرت جذور هذا الفرز في التمدد ،مع استمرار النظام السوري في عملية تغيير الملامح الاجتماعية للبنان عبر لعبة الطوائف ومكاسبها ،مع اعطاء اولوية لبعضها وخاصة الطائفة الشيعية على الاخرين، ومع مراقبة شديدة للطائفة السنية، ومحاولة قطع اي علاقة قد تنشاء مع اخوانهم السوريين، وخاصة بروز شخصيات تحمل ابعادا عربية او اسلامية قد تدفع في مكان ما السوريون السنة الى التعلق بهم او الاقتداء باسلوبهم في ادارة الامور، مما يسهل تفلتهم من قبضة النظام الصلبة، ولم يوفر النظام اي اسلوب او طريقة في محاولته ضرب اي حراك مذهبي لا يتوافق مع خططه (من الخطف الى القتل الى الترهيب والعزل والابعاد) واخيرا الاتهام بالعمالة، لكل من يخالفه الراي وبالتالي استبحات كل المحرمات في لعبة كان يدرك مغزاها جيدا ويدرك اهدافها جيدا، وهي كانت سبيله المنتقى لابقاء سلطته وديمومتها الى الابد على ما كان يزعم . وفي المقابل نمت العلاقات الطائفية الاخرى، وان بشكل مختلف فاصبح الدرزي والمسيحي على تنوع مذاهبه ينظر الى قائدة الطوائف في لبنان على انهم ممثلين له، وان بشكل ضمني وقد يشكلون له ضمانات وصمامات امان في حال تغيير الاوضاع وهذا ما حدث.
اتت الثورة السورية المفاجئة للكثيرين لتعيد هذا الارتباط السري الى الواجهة، فاصبحت كل طائفة على طرفي الحدود تعتبر نفسها بشكل او باخر امتدادا لاختها في الجهة الثانية، واكتسب زعماء الطوائف اللبنانية نوع من الشرعية في التحدث عن اوضاع اخوانهم ابناء الطائفة في سوريا، واستطاع بعضهم وتحديدا الزعامة الدرزية في تحييد الدروز بشكل كبير عن قسوة المواجهات التي تدور، دون ان ننسى الكثير من الدروز السوريون واهميتهم في الثورة السورية ،وكذلك استطاع القادة المسيحييون اللبنانيون ايضا ،وان متأخرين، وعلى راسهم بطرك الموارنة بشارة الراعي المساهمة في محاولة تخفيف تاثير الصراع على مستقبل المسيحيين السوريين فيها، رغم ان البطرك يعمل وفق ارشاد بابوي وهو الذي يبدو قد تغير في الفترة الاخيرة، طبعا دون ان ننس الموقف الشاذ للجنرال عون وجماعته والذي لطالما اتخذ خيارات وقراءات خاطئة حول طبيعة وشكل الصراع في المنطقة . ولكن يبق الموقف الشيعي اللبناني، وهو يحمل مسؤولية تاريخية اخلاقية، خاصة باتجاه العلويين في سوريا، ومحاولة تحييدهم عن مصير قد يبدو مؤلما واسودا اذا ما استمر هذا الصراع واتخذ شكل الحرب الاهلية، فهم يشكلون الخلفية الصلبة لمستقبل هذه الجماعة التي اعطوها الشريعة في تولي السلطة، ولكن يبدو حتى الان انهم قد اتخذوا موقفا مختلفا وانحازوا الى مؤازرة النظام السوري بشكل اعمى وبدون تدقيق، وخاصة القوى الرئيسة بينهم وتحديدا حزب الله ،الذي لا يراود المراقبين اي شك بانه يقوم بهذا تنفيذا لتوجيهات ايرانية واضحة على الرغم من اعتراض الكثيرين في صفوف الطائفة الشيعية.
ان مصير المجموعات الطائفية المتواجدة في سوريا ولبنان محكوم بالتعايش، فعل الرغم من كثرة الاحداث المؤلمة منذ عام 1860 حتى اليوم، الا انها استطاعت دوما ان تجد صيغة تتعايش فيها دون كثير الم او مذابح، ولكن هذه الطوائف قد تواجه مصيرا مختلفا تحت ثقل التدخل الايراني وسياسته، التي لاتقيم وزنا لاي اعتبارات الا مصالحها الخاصة بدولها ومشاريعها. .


