الأرنب الشجاع … د . خالد جمال .

مرّ عيد الفصح، وكل عام وأنتم بخير، ولكن الأرنب لم يوزع هداياه وسكاكره هذا العام، لأنه كان مشغولًا بما هو أهم من توزيع الحلوى وعلب الشوكولاتة والبيض الملون المعقود في السلال المزينة على المحتفلين بقيامة المسيح عليه السلام، الذي دحرج الحجر وقام، حقًا. كان الأرنب مشغولًا بالنظر تحت كل الحجارة المرمية في سهول البلاد الشاسعة، يحاول أن يجد أسفل منها ما تخبئه الأيام للحقول المالحة، العطشى لطعم السكر والحلوى والجزر والشمندر وقصب المص والبطاطا الحلوة الصغيرة والكامي، التي يزيد ثمن غرامها عن الفضة.
ذهب الأرنب بعيدًا في بحثه وقلب كل الأحجار والصخور على ظهورها، وظهر ما تحتها مما حجبته عن وجه الشمس وأعين البشر ونظارات القمر الباهتة. حين كان يقلب في الليل أيضًا، كان مشغولًا يريد أن يعرف ماذا تخبئ هذه الصخور من وعد الرعد لها بأيام قادمة، تشق باطن الأرض وتخرج منه الثمار والأسرار والحكايات والخبايا مما لا تعرفه العجائز التي تروي قصص العيد لأحفادها، فتغمرهم بالسرور وتخدعهم بالطمأنينة، التي سرعان ما تنهار ما إن تبدأ أقدامهم بالسير خارج جدران المنزل الصغير، وبعضهم قد يعرفه وهو في داخله وقبل خروجه لملاقاة الحياة على حقيقتها.
والحجارة رسائل الآلهة في الأرض، وكل منها له رمز تمامًا كما لكل نفس وجه، وليس كل الوجوه متشابهة ولا كل النفوس، وليست كل الوجوه مرآة لما في النفوس، وكذلك الحجارة قد تخفي غير ما تظهر وتظهر عكس ما تخفي. وما يعلق بها من باطن الأرض يظهر على سطحها ما إن يشقلبها الأرنب، الباحث عن حقيقة الأرض: حجر نمت الطحالب على جوانبه وفاحت منه رائحة العفن، وحجر ظهر عليه الدود ملتصق الأبدان، وآخر أخفى جحر الخلد، وآخر قفر النمل، وحجر أخفى تحته كنزًا من لؤلؤ ومرجان، وآخر ألواح تحمل قصائد من أقدام الزمان، وحجر أخفى نبع الماء، وآخر خباء نواة تمر تحلم بأن تصبح نخلة تمتلئ بالرطبان، وحجر حمل أسرار الكون بعدما أتى منها محترقًا، وآخر حمل أسرار الأرض بعدما فار منها ملتهبًا.
لم ينزل رمز الخصوبة هذه من بلاي بوي إلى السهول الشاسعة يقلب الأحجار، وهو يقفز قفزته الشهيرة متنقلًا بينها ليبحث عن العشاق، سارقي المتعة بالمال الحرام أو الحلال، ولم يدرِ إذنه الممدودتين لأصوات الغرام، ولم يفرك أنفه المحمر دوماً فوق شنبه المهتزين دوماً لأنه رأى منكرا في فعل الهيام، ولم تصتك أسنانه وتهتز رقبته هذه المرة بسبب أثر الخوف أو الإدمان أو الامتهان. كان يمضي بكل شجاعة يقلب الأحجار، يبحث عن القيامة مرة أخرى، عن رجال تعلموا أنه لا قيامة إن لم تدحرجوا الحجر: الجاثم على الصدور، والخانق للحناجر، والضاغط على البطون، المليء بالعفن والديدان، وأوكار كل الخلدان.
اعتذر الأرنب هذا العام من كل أطفال العالم، وأخبرهم أنه في أرض المشرق حيث الأمان سرقه سيف السلطان، هناك أطفالًا شجعان، وهو ذاهب معهم يبحث عن الأمان الذي فقدوه منذ زمان، وأنه سينزل معهم إلى كل الحقول والسهول والجبال والوديان، ليقلب كل الحجارة ويفضح كل الأسماء، ولن يرضى أن يكون بعد اليوم جبانًا، لأنهم شجعان.


