خاص التحري نيوز

خاص : طوفان الجنوب ينجز الانتصار الثاني في معركة أولي البأس.

خاص : طوفان الجنوب ينجز الانتصار الثاني في معركة أولي البأس.

كتب المحرر السياسي في موقع ” التحري نيوز”

طوفان شعبي لبناني استعاد مشهد تحرير أيار العام 2000 ليزيل الدشم والسواتر ويقتحم الأبواب ويحرّر الأرض.. زحف الصامدون جنوباً ليطردوا الاحتلال الذي هجّرهم طوال 15 شهراً ودمّر منازلهم وأتلف أرزاقهم وشرّدهم في النواحي اللبنانية، وهم الذين صبروا على القهر والبعد عن أوطانهم الصغيرة على تخوم فلسطين المحتلّة، وخلّفوا أبناءهم “أولي البأس” عند الحدود يواجهون العدوان ببسالة الإعجاز ويستشهدون بالآلاف ويرخصون أرواحهم فداء للوطن الكبير.. هم النازحون بالأمس الذين وثقوا واطمئنوا للنصر وأنهم سيعودون حين أوان الإياب، وصبروا على العناق ستين يوماً منتظرين زمن اللقاء، وحين أزفت ساعة الاحتفال بالنصر شدّوا الرحال وانطلقوا قوافل سارية للسكن إلى التراب حتى لو كان الوصال على ركام.
هو العرس الوطني الجديد الذي نسج ثوبه الشعب الحرّ كتفاً إلى كتف مع أبنائه من جنود الجيش اللبناني ومجاهدي المقاومة تثبيتاً لمعادلة النصر والسيادة الحقيقية، ولاقاهم إلى ساحات التحرير أخوتهم في الصبر والصمود من أبناء الجنوب وبيروت والجبل ومن الضاحية والبقاع والشمال، ليؤرخوا للانتصار الثاني في معركة “أولي البأس” وللتحرير الثالث بعد أيار 2000 وتموز 2006، فتحدّوا الاحتلال بالأيدي والصدور وسلاح الموقف، وتقدّموا واثقي الخطى ولم يبخلوا بمزيد من التضحية فبذلوا ما يزيد عن 20 شهيداً وعشرات الجرحى وبينهم عدد من جنود الجيش، ليختموا كتابة فصول ملحمة الصمود والتحرير.
هكذا جاءت وقائع يوم الـ 26 من كانون الأول 2025، والأيام الآتية تنتظر المزيد من لوحات البطولة في ميدان المواجهة الشعبية مع توالي قوافل الزاحفين إلى الجنوب؛ والحق الذي لا يخفيه غبار التشويش الداخلي من جماعات “التنقير” الكيدي يثبت أن هذا الشعب لا وجود له مثيل على خارطة الكون، فعلى الرغم من القتل والتشريد والتهجير والعذابات اليومية والقيود السياسية والعسكرية والأمنية المحلية والإقليمية والدولية، وعلى الرغم من استمرار العدو الصهيوني في خرقه لوقف لإطلاق النار على مدى ستين يوماً وتفجير ما تبقّى من أطلال القرى التي عجزت فرق جيش الاحتلال الخمسة وألوية النخبة عن وطء أرضها على مدى 66 يوماً، أكّد شعب المقاومة تلاحمه مع الجيش اللبناني وتعظيمه لتضحيات الشهداء وعزمه على استكمال خطوات التحرير.
فرض شعب الجنوب قراره بتمسّكه بالعودة على الرغم من التهديدات الصهيونية، وأسقطوا المعادلة التي حاول العدو تكريسها بإبقاء احتلاله في جنوب لبنان مستغلاً الغطاء الأمريكي والدولي والبعض العربي، ولم يأبه بضوضاء المواقف الداخلية المنحازة إلى الاحتلال وتسويغ إجراءاته بتحميل المقاومة مسؤولية الحرب، فجاء الاجتياح الشعبي بعزيمته العفوية ليستنفر المواقف الوطنية، والتي كان أبرزها لرؤساء الجمهورية جوزف عون ومجلس النواب نبيه بري وحكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي وقيادة الجيش اللبناني، فضلاً عن سيل المواقف الدينية والسياسية والحزبية التي أيّدت وأكبرت فعل التحرير الشعبي تحت راية المقاومة المضحّية.
ولعلّ من أهم المؤشرات التي يمكن استخلاصها من إنجاز 26 كانون الثاني 2025 أنه لم ينطلق من لون طائفي معيّن أو حسابات سياسية ضيقة ومصالح فئوية خاصة كما لم يستهدف رقعة جغرافية محدّدة، بل كان من أجل تحرير كل القرى التي أصرّ العدو على إبقاء احتلاله لها على مدى انتشارها وتنوّعها، وإجبار الاحتلال على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، كما أكّد هذا الشعب وقوفه خلف خيار المقاومة وسيادة الدولة التي أكّدت في عهدها الجديد التزامها بتحرير كامل التراب اللبناني من الاحتلال وإعادة النازحين من أهل الجنوب إلى قراهم وإعمار ما دمّره العدوان، ولذلك سار الناس جنباً إلى جنب مع جنود الجيش اللبناني في مشهد مهيب وتجاوزوا العوائق التي وضعها الاحتلال ليستكمل الجيش انتشاره وفق الاتفاق الذي سعى العدو إلى إسقاطه وتمديده دون أي مسوّغ أو سبب.
وفي خطوة متوقّعة دخلت واشنطن على خط العرقلة وتغطية العدوان وأعلن بيان للبيت الأبيض تمديد مهلة وقف إطلاق النار إلى 18 شباط، وربطت قرار التمديد بإجراء مفاوضات لتحرير اللبنانيين الذين احتجزهم العدو بعد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023 (طوفان الأقصى) بناءً على طلب الحكومة اللبنانية، وفي هذا الإعلان مساومة واضحة تهدف للضغط على الموقف اللبناني الرسمي ودفعه إلى القبول بتمديد المهلة بذريعة استعادة الأسرى، وهذا القرار المنحاز يثبت عدم نزاهة الطرف الأمريكي في مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار ويدفع إلى الريبة من وجود أهداف يعمل العدو لتحقيقها، وأقلّها إطالة مدّة احتلاله والاستمرار في اعتداءاته وعرقلة انتشار الجيش اللبناني ومنع الناس من العودة إلى قراهم.
نجح الاجتياح الشعبي في رمي كرة النار في ملعب العدو حيث لا يزال الصهاينة يرفضون العودة إلى مستوطنات الشمال الفلسطيني على الرغم من التطمينات والاغراءات التي تقدّمها حكومة نتنياهو، أما في المقلب اللبناني فإن مسارعة أهل الجنوب للعودة إلى قراهم فور انتهاء مهلة الستين يوماً في الشكل الذي جرى كرّست انتماء الشعب للأرض ورفضه السماح لأي ظرف أو جهة بسلخه عن هذا الانتماء فضلاً عن التلاحم الرائع الذي أظهرته قوافل الصامدين من باقي المناطق، وفي هذا الأمر رسالة واضحة المعالم والمعاني والاتجاهات إلى الداخل والخارج بأن شعب المقاومة عصيّ على الكسر وراسخ كأرز لبنان في وجه كل عدوان.

 

 

 
زر الذهاب إلى الأعلى