
د. خالد جمال
اذا كنت داخل قطار يمضي الى الغرب، بينما انت بداخله تمضي الى الشرق، فماذا سيكون اتجاهك في النهاية؟ هذا ليس وقت «الفوازير» بل هو وقت رؤية ما يحدث بواقعية شديدة، وان كان ذلك قاسياً ومؤلماً لبعض الاطراف، وهو وقت التساؤل: إذا كان قطار الشرق بأكمله يسرع غرباً، فكيف لأفراد يمضون بداخله في الاتجاه المعاكس ان يغيِّروا وجهته؟
هذه هي حال من يحاولون التصدي للتغيير الذي يحدث في العالم العربي، شرقه وغربه، ويزعمون انهم يستطيعون ان يغيروا وجهة القطار او في أسوأ الاحوال ان يوقفوا عجلاته عن الدوران، او ان يقطعوا سكته بالالغام، او ان يرموا عليها العوائق او ان يخرجوه عن مساره ليقع في الوادي، دون السماح له بمتابعة المسيرة التي اختارها لركابه بعد ان جلسوا واتخذوا مقاعده متكأً منتظرين نهاية سعيدة للرحلة.
لا يهمّ التفاصيل الصغيرة داخل القطار، طالما ما زال يتزوّد بالكهرباء او بالفيول السميك اللزج او الفحم الحجري، وطالما لم يدس أحد القادة لمسيرته على الفرامل التي قد تخرج به عن سيره، او لم يفصل احد الركاب واحدة من مقطوراته الخلفية، فما يحدث داخل القطار من صراع لن يؤثّر على مسيرته، هو شيء اشبه بالمثل الشائع (الكلاب تنبح والقافلة تسير).
لا يسير القطار طوال الوقت، قد يتوقف في محطات منها الكبيرة والهائلة، وسرعان ما يملأ جوفه بالركاب المتعددي الاشكال والالوان، والبضائع المختلفة والطعام والشراب، ويتم تغيير قائد القطار والمساعدين واراحة المسؤولين عن المقصورات وتزويدهم بما يلزمهم لخدمة المسافرين، وقد يتوقف القطار في محطات صغيرة تحسباً لمرور قطار آخر او للمّ بعض الحاجيات الضرورية او بعض الركاب الذي تأخروا من قطار سابق، او ليغيّر عجلاته التي تتغيَّر مع تغيّر نوعية السكّة التي منها انواع وفق المقاييس العالمية.
قد يتوقف القطار لوقت قصير، سرعان ما ينطلق بعدها فيمخر الهواء والارض، ولكنه قد يتوقف لفترات طويلة بسبب انسداد في دربه، او بسبب انتظار زائر مهم، او بسبب عائق طبيعي او بسبب انهيار أحد الجسور، او بسبب انقلاب احدى المقطورات او بسبب تزحلق احد العجلات، وقد يحال القطار الى الصيانة لفترات او يتم استبداله بآخر اكثر حداثة وأحدث تقنية، ولكن ما ان تهوي الشارة الحمراء من أمامه ويرتفع صفيره، حتى تراه يمضي دون هوادة غير سائل عن الجالسين في جوفه، سواء جلسوا لتناول الشاي الساخن او تشابكوا بالايدي او الرشاشات.
هنالك قطار ضخم سريع يأخذ شكل القلعة او الدبابة او الصاروخ، مخصص للمحطات البعيدة لا يتوقف الا عندها، يختصر المسافات ويختزل المشاهد التي تعدو سريعاً في الاتجاه المعاكس، وهو قطار عنيد لا يسمح للمتطفلين باللعب معه ولا يسمح للمشاهدين للمناظر بداخله من التأثير على طريقة عدوه، وهناك قطار صغير يأخذ شكل الحديقة المفتوحة يتثاءب وهو يمضي بهدوء بين البساتين والسهول، يتوقف عند كل اشارة وكل زاوية، ويتحدث الناس بداخله مع من هم بخارجه يبيعونهم ويشترون، منهم ويتسامرون ويضحكون، وهو غير مستعجل لبلوغ هدفه بل ان الهرولة بين القرى والمدن هي غايته.
لا يمكن ان تركب قطاراً وتزعم انك تريده ان يبقى في ارضه، فالقطار صُنع ليمضي على السكة متنقلاً بين المحطات، فإن توقّف وتحوّل الى مطعم للسياحة والمشاهدة وتناول الطعام، فلن يعود قطاراً لأن وظيفته انتهت، بل يصبح مطعماً او مزاراً سياحياً حسب الوظيفة الجديدة.
ولذلك وجب على القطار ان يمضي ويمضي ناقلاً الناس بين المحطات المختلفة وناسخاً ما فيها من تغيّر وتجديد في نفوسهم، التي سئمت المشهد القديم، وسعت الى مشهد جديد لأن الثابت الدائم مملٌّ ومضجرٌ بالاضافة الى كونه مضرّ، وخير دليل الطبيعة التي لا تتوقف عن الولادة والموت، في كل يوم وفي كل فصل، حتى لا نضجر ولا يموت فينا حب الحياة.
(يا وابور قلّي رايح على وين؟) فأنا أعرف من أين أنت آت.


