خاص التحري نيوز

صلب الفلسطيني … د . خالد جمال 

صلب الفلسطيني … د . خالد جمال 

لم تعد هذه أسطورة يا جوزيف، بل قصة حقيقية نتابع فصولها على شاشات التلفزة كل يوم ونحن نرتخي على مقاعدنا الوثيرة خشية أن يصيبنا توعك في الكتف أو تنميل في الأرجل. أبشع ما فيها أنها علنية، واضحة (بقاحة) كما يقول المصريون. ما عادت المؤامرات تحاك في الغرف المظلمة المغلقة، بل تحت أنظار وسمع العالم. إنه التاريخ يعيد نفسه مع تغير الأسماء والأوصاف.

 

اليهود يوشوشون في أذن بيلاطس البنطي، فيجري المحاكمة، والجريمة: ملك والتهمة الصلابة والصبر، فيصدر حكمًا بالموت صلبًا. تحت وقع الأسواط، يُعد الصليب وتُعد المسامير، ويمضي الفلسطيني على سلم الجلجلة، ليس إلى قمة الجبل بل إلى السماء. هناك بين قاتل وسارق ستدق المسامير في معصميه ورجليه، هناك سيُكلل بالشوك، هناك ستحوم الغربان منتظرة حصتها، ونعيقها يملأ السماء.

 

الإسخريوطي قبض الثمن، ثلاثون من الفضة، وسيُتحول رمزًا للخيانة عبر التاريخ، في حين ينكره بطرس ثلاثًا قبل صياح الديك، ثم سيبني معبده على صخرة صلبة. هناك ستحرق البخور وتُقدَّم النذور عن الفادي الذي صُلب لهدف أسمى من يعرفه من هم مثلنا.

 

(كل من صليبه على قدّه)، تقول عجوز بينما تتحسس صليبها على صدرها بيدها اليسرى وتصلب باليمنى. لقد علمتها الحياة أن الظلم من السنن ولكن الرجاء يبقى خلاصًا. علقوه في رقابهم كما يُعلق الجرس على الأغنام لنسمع صوتها عند كل التفاتة، ولكن الصليب علق لنسمع روحنا عند كل ألم. ولا بأس إن وضعناه على المعصم لنتذكر مدخل المسمار في جسد، من صدق وعده بأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين.

 

صليب الفلسطيني كبير كبر مآسيه ويمتد في التاريخ إلى موسى الذي أخذ وعد الله بالأرض المقدسة. وفي الجغرافيا، يغلف كل المنطقة التي تكبر مأساتها يومًا بعد يوم منذ أن دخلنا في العصر الحديث ومنطقه، عصر الزنوج والأمريكان.

 

(ما لنا غيرك يا الله)، هكذا غنى السوريون وهم يُقتلون دون رقيب أو حسيب، وهكذا يغني الفلسطينيون بعد أن أصبحت قضيتهم تطورًا عقاريًا وفنادق وكازينوهات. فلم يعودوا ينتظرون شيئًا من البشر وهم يتحسسون صليبهم ويغنون: (ما لنا غيرك يا الله).

 

 
زر الذهاب إلى الأعلى