
حذرَت الأديان، وخاصة الإسلام، من الفتن، ومنها فتنة الجمال، وفتنة العافية، وفتنة القوة. ولكن الأهم من ذلك هو تحذيرها من فتنة المال، والأعظم منها فتنة السلطة. فمن يملك هذين العنصرين دون رادع أو واعظ، يقع في المحظور ويسيء إلى الناس وحياتهم ومعاشهم.
منذ نعومة أظفاره، أراد أن يفعل ما يريد. اكتشف، كما اكتشف غيره من الأثرياء، أن الثروة تتيح له ذلك، فخاض غمارها وبرع فيها. عائلته وصحته الجيدة وعلاقاته بالمحامين والسلطات المحلية ساعدته. عمل في مجال العقارات، أنشأ الأبراج، خاض في عالم التسلية وبنى الكازينوهات، وحتى في الإعلام صنع برنامجًا خاصًا به. بطر وتجبر، وجبر وتسلط، ومتعة بلا حدود. لكن رغم كل هذا، اكتشف أنه لا يستطيع أن يفعل ما يريد دائمًا. فهناك القوانين التي تراقب كل شاردة وواردة، والسلطات التي تملك القوة على فرض النظام، من الشرطة إلى الـ FBI وغيرها، تقف في وجه كل من تسوّل له نفسه أن يخل بالنظام العام من أجل أن يفعل ما يريد.
ثم اكتشف أنه في أماكن معينة في العالم، هناك ملوك لا حدود لسلطتهم، وهناك ديكتاتوريات تفعل ما تشاء في أي وقت، ولا يملك أحد سلطة فوق سلطتها أو نفوذًا عليها. ففهم أن المال وحده لا يكفي، بل يحتاج إلى شيء أكبر يعطيه القدرة على فعل ما يريد، في الوقت الذي يريد، وأينما يريد. هنا اكتشف أن هناك نوعًا من السلطة يمكنها سحق البشر في دولته وفي الدول الأخرى أيضًا. كيف يحصل على هذه السلطة؟ فاكتشف أن الطريق بسيط: الانتخابات. ولكن هذه تحتاج إلى تمويل، وصحة جيدة، والكثير من الكذب. فإذا حالفه الحظ بعد ذلك، يمكنه أن يفعل ما يريد.
وهكذا كان، فتم انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، أقوى دولة في العالم. وانتخب معه برلمان وكونغرس مناسب. بدأ في إخضاع الجميع لسلطته داخليًا وخارجيًا، وتجاوز كل الحدود. لا تمنعه سلطة، ولا يرده عرف أو تقاليد. هو من خارج المنظومة، وعدّ نفسه عدوًا للمنطق والأخلاق في السياسة، والاقتصاد، وبناء المجتمعات. كان قيصر يقول: “أتيت، رأيت، انتصرت”. أما دونالد ترامب، فيقول: “أنا أفعل ما أريد”.


