الحذر الشديد … د . خالد جمال

تصرف دونالد ترامب بخفة لافتة، وكأنه طفل يلهو بمجموعة من الألعاب، يحطم بعضها، يرمي بعضها، وفي معظم الأوقات يدوس أغلبها.
لا يمكن التصرف بسياسات الدول على هذا النحو، فهي نشأت عن تجارب ومعاناة عظيمة، كان بينها حروب كبرى، وانهيارات اقتصادية مؤلمة، وتغييرات في التركيبات السكانية، بالإضافة إلى تأثيرها على الطبيعة والموارد التي تحتاجها البشرية في مسيرتها.
إذا كان من الممكن التغيير بسهولة في السياسات قصيرة المدى لرغبات شخصية أو انحياز فكري أو عاطفي، فإن هذا غير ممكن في السياسات طويلة المدى، أي السياسات الاستراتيجية التي تنشأ بعد أحداث عظيمة مثل الحرب العالمية الثانية أو الحرب الباردة أو انهيار الاتحاد السوفيتي.او كما هو الحال مع سياسة الاحتواء تجاه الصين التي رعاها كيسنجر ونيكسون، أو مفهوم حل الدولتين الذي اتفق عليه العالم وتوافق على تنفيذه منذ بداية المشكلة الفلسطينية.
اللعب بالسياسات الكبرى يؤدي إلى القلاقل والاضطرابات والحروب، ويؤدي إلى اختلال التوازنات الدولية القائمة، ويضر بالاستقرار والأمن الدوليين. السياسات طويلة المدى تنشأ عنها ثوابت تسمح بالاستقرار لفترات طويلة، وكذلك تُنتج عقائد كبرى تخص قطاعات هامة مثل القطاع العسكري والإعلامي والغذائي والطاقة، وغيرها من القطاعات، ولكن أهمها على الإطلاق هو القطاع العسكري، الذي يحتاج إلى تحديد الخصم والساحة بشكل واضح.
ترامب يتصرف بخفة، ويُرافقه في ذلك بعض ممثلي القطاع التقني، الذين حذر منهم بايدن في خطابه الأخير، وتحديدًا إيلون ماسك. ويُرافقه أيضًا بعض الاليغارشية من الأثرياء الذين لا يهتمون إلا بمصالحهم ويعتبرونها مصلحة للعالم.
ما يحدث يذكر بحقبة الخمسينات حين أنشأت لجنة مكارثي لمحاربة التغلغل اليساري في المجتمع الأمريكي، فصال وجال واستطاع أن يخضع الجميع إلى أن اقترب من الجيش والمجمع الصناعي العسكري، الذي كان الرئيس أيزنهاور قد حذر في خطابه الوداعي من قوته وسيطرته على أمريكا. فقد مكارثي كل قوته وقدراته وتمت تصفية لجنته. فهل يتكرر الأمر مع ترامب بعد أن اقترب من الجيش والقوات المسلحة والبنتاغون؟


