خاص التحري نيوز

إعادة الجني إلى القمقم … د . خالد جمال 

إعادة الجني إلى القمقم … د . خالد جمال 

انتهيتُ للتو من مشاهدة فيلم “أوبنهايمر” الشهير، وذلك متأخراً سنتين عن موعد صدوره. الفيلم حاز سمعة عالمية وحصد العديد من جوائز الأوسكار. وهو يروي سيرة القنبلة الذرية الأولى، من خلال رصد قائد مشروعها في لوس ألاموس الأمريكية، العالم الفيزيائي الأمريكي روبرت أوبنهايمر، وتاريخه، وما حدث معه قبل وبعد انتدابه لقيادة المشروع الهائل.

المهم في الفيلم أن موضوعه يتمحور حول فكرتين أساسيتين. أولاهما أن أي اكتشاف حديث وعظيم يؤثر في حياة الناس ومسار البشرية لا يمكن إيقافه. ومن هنا جاء عنوان المقال بمعنى أنه إذا خرج الجني من القمقم، فسيحدث العجائب، ولا يمكن إعادته إلى سابق عهده أسيراً بين جدران القمقم. وهذا ما حدث مع أوبنهايمر وبعض رفاقه من العلماء الذين ظنوا أن بإمكانهم ضبط الجني عند حدود معينة، لكن الأمر أفلت من أيديهم، وأصبح ملكاً لقوى أكبر منهم وأعظم، تحمل رؤية مختلفة للعالم. ربما أن هذا من طبع الأمور، فالتطور وإن كان يحمل في طياته نتائج سيئة لا يمكن إيقافه أو ضبطه، فيبقى في تصاعد وسباق مع الزمن. وهذا ما حدث لاحقاً في لعبة سباق التسلح النووي، التي أدت إلى نتيجة أن أي خطأ قد ينقل البشرية إلى طور الفناء، الذي تسعى للهرب منه. وهذا أمر يحدث معنا في كل وقت من التاريخ المعروف، حيث لا نستطيع تفادي حتمية التأثيرات التي تخلقها العلوم والتكنولوجيا في حياتنا.

 

أما الفكرة الثانية، فهي الصراع بين رغبة الإنسان في الاكتشافات الجديدة وتحقيق طموحاته وأحلامه، وبين أخلاقياته، وخاصة إذا كانت هذه الاكتشافات تحمل الأذى والألم والموت أو الضياع والتفتت للبشرية. ومن هنا يشير الفيلم إلى وجع الضمير وتأنيب البطل ورفاقه، وحتى أينشتاين الذي بدأ هذا المسار برسالة إلى الرئيس أيزنهاور، يشرح فيها القدرة على إنتاج قنبلة نووية. أما الذروة، فكانت بعد إلقاء القنبلة على هيروشيما وناجازاكي، وعدد القتلى بعد ذلك. حيث اكتشف العلماء أنهم لم يصنعوا تكنولوجيا متقدمة فحسب، بل كانوا السبب في ألم وموت ومعاناة بشرية. فكان الرد الأخلاقي حول محاولة التأثير على السياسة النووية الأمريكية في فترة الحرب الباردة، والتي قُطعت بكل تنفٍّ وقسوة.

 

مشهد استقبال الرئيس ترومان لأوبنهايمر كان مشهداً مؤثراً، خاصة عندما قال الأخير إنه يشعر بالدماء على يديه، فأعطاه ترومان منديله وقال له: “أنت صنعت القنبلة، ولكن لم تأمر بإلقائها على هيروشيما، بل أنا فعلت”. ثم أنهى الاجتماع.

 

فيلم ممتاز يستحق المشاهدة.

 

 
زر الذهاب إلى الأعلى