خاص التحري نيوز

منطق الرياح… د.خالد جمال

منطق الرياح… د.خالد جمال

قال المتنبي:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه / تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

 

أريد أن أضع خطين تحت كلمة الرياح، وإن أراد بها الشاعر المعنى المادي الطبيعي، إلا أن في قوله ما هو أعمق من ذلك بكثير. فالـ_رياح_ هي التي توجه القوارب وتجبر ربانها والملاحين على الالتزام بها ومراعاتها تجنبًا للضرر الذي يحدث حين تقارع من ليس لك عليه سلطة ولا قوة ولا قدرة.

 

الـ_رياح_ ما تفاعلت الطبيعة فأنتجته قوانين صارمة تجبرك على التغير والتغيير، فإن كابرت، كسرت ساريتك، ومزقت شراعك، ودفعتك إما إلى أعماق البحر، أو إلى شاطئ تتحطم عليه آمالك وأحلامك وزورقك.

الـ_رياح_ بهذا المعنى هي الزمن، الذي ارتأى أنك ما عدت صالحًا لمواكبته، وأن عليك أن تغير من قواعد اللعبة: فبدل الشراع، عليك أن تجهز المركب بمحرك يعمل بالديزل أو الكهرباء، وبدل المقود جهاز توجيه، وبدل المنظار عليك أن تستخدم الرادار، وبدل قراءة النجوم هناك جهاز توجيه إلكتروني.

وإلا فإن الـ_رياح_ لن ترحمك، وإن صادفت أيامًا سعيدة تكون فيها الريح مؤاتية، فإن معظمها سيكون تعيسًا ومليئًا بالاضطراب.

 

إنه الزمن يا عزيزي، لا يغفل عن شيء، وله قوانينه وأطرافه، وأهمها: التطور. فالنجاح والتفوق ليس للأقوى، وإنما للأنسب. هذا ما قاله داروين، وهذا ما جزمت به الطبيعة، وإلا لما انقرض الديناصور الذي لا يُقارن في شراسته، ولكنه لم يعد مناسبًا للمحيط.

ونفس ما حدث مع الإمبراطوريات الكبرى، التي أصبحت حركتها أثقل من مجاري الأمور، وهذا ما سيحدث مع كل من سبقه الزمن، وما زال يتخبط في الوحول القديمة.

 

لو تعود بخعون كما كانت، بعد أن اختارت عائلتي “البياع” و”جبارة”، سيدتين لتمثيلهما في المجلس البلدي، في أول بادرة في تاريخ منطقة الضنية.

إنه الزمن، إنه الوعي، إنها الـ_رياح_ التي تمضي بما لا تشتهي السفن.

 

في أمريكا، في معركة تحرير العبيد التي قادها لينكولن، وفي نقاش حاد في الكونغرس حول الموضوع، يصرخ ممثل الحزب الديمقراطي:

“وماذا بعد العبيد؟ هل سنجعل النساء ينتخبن؟”

انظروا أين هي أمريكا الآن، وأين نحن.

 

 
زر الذهاب إلى الأعلى