خاص : نائبة القوات تفضح المستور “صراع مع المسلمين” أم حقد دفين؟

كتب المحرر السياسي في موقع ” التحري نيوز”
حقيقةً؛ نزداد استغرابًا عند سماع أي خطاب أو تصريح محمّل بالكراهيّة من ممثلي حزب “القوات اللبنانية”، وخاصة النواب منهم؛ كراهية تجاه المسلمين تحديدًا.. إذ تتحفنا اليوم نائبة عن صيدا- جزين تدعى “غادة أيوب”، تتحدث في إحدى المناسبات الخاصة، عن “صراعٍ” بين الإسلام والمسيحية، مدعيّة أنّ عمره أكثر من 1400 عام..!! وما يزال إلى اليوم، وهم “يتحمّلون وزر هذا الصراع”؛ وتقول: “نرى هذه المواجهة المستمرة في كل لحظة من حياتنا، ونصلّي حتى نتخطّى هذه المرحلة؛ ولكن فعليًا حين ننظر إلى كم هم يتحدوننا، ويجربون كي نيأس، فمهما فعلوا وجربوا نحن أقوى منهم..”..
أولًا- لا يذكر المؤرخون في كتبهم كلّها، سواء أكانوا من المسيحيين أم المسلمين، أنّ الإسلام حين ظهر في الجزيرة العربيّة خاض صراعًا مريرًا مع المسيحية!.. لقد كان الصراع على أشده مع معظم اليهود الذين اتخذوا موقف العداء من النبي محمد (ص)، طبعًا إضافة إلى قبيلة قريش التي كانت ممسكة بمقاليد السلطة أنذاك.. والإسلام اليوم بات عمره أكثر من 1400 عام.. يعني الرقم نفسه الذي ذكرته “أيوب”. لقد شهد المسيحيون في ظلّ الحكم الإسلامي، على مدار حضارته المديدة، احتضانًا ودعمًا وتسامحًا؛ بل كان لعلماء المسيحيين دور مهم في نهضة تلك الحضارة وعمرانها.. وهم لم يُهجّروا أو يُضطهدوا مطلقًا؛ لذلك لو تتكّلف هذه السيدة النائبة في أن تحضر لنا ولو دليلاً واحدًا على ما تسميه “صراعًا” للمسيحية مع الإسلام منذ 1400 عام..
أمّا إن قصدت الحروب الصليبية، كونها حملت الشعارات الدينية المسيحية لمقاتلة المسلمين والسيطرة على بيت المقدس، فهي إن كان لا تدري، أيضًا، فلتطلع على كتب التأريخ لتعرف حقيقة دوافع ملوك أوروبا في تلك الحقبة، والذين شنّوا حربًا استباقية على بلاد المسلمين، لأنّ الإسلام أنذاك كان يغزو أوروبا، حيث أوشكت معظم الشعوب الأوروبية على اعتناق الإسلام دينًا وشريعة، لما رأوه من سماحته وعدله وحكمته .. فانبرى ملوك أوروبا إلى غزو العالم الإسلامي عسكريًا عبر بوابته الدينية المقدسة، وهي بيت المقدس، زاعمة بحق لها نظرًا إلى ولادة السيد المسيح في بيت لحم، وبما أن المسيحية أقدم من الإسلام؛ فهذا يعني أولى أن يكون بيت المقدس ملكًا لهم..لكنّ زيف ادّعاءاتهم سرعان ما انكشف، وتبيّن حقدهم على الإسلام من جهة، وطمعهم في السيطرة على خيرات منطقتنا من جهة أخرى.
ثانيًا- هي إن قصدت صراع المسيحيين مع المسلمين في لبنان تحديدًا؛ أيضًا ترتكب مغالطة تاريخية ثالثة؛ إذ إنّ عمر لبنان المعاصر، قبل أن يكون جزءًا من بلاد الشام (جبل لبنان)، عمره مئة وأربعة أعوام فقط..فعن أي صراع تتحدث عنه وعمره 1400 عام!!. وفي مراجعة لتاريخ لبنان، مذ كان متصرفيّة جزءًا من الحكم العثماني الذي حكم بلادنا حوالي 400 عام، شهدت بلادنا في حدودها الجغرافية الصغيرة فتنًا وحروبًا عديدة، ولم تكن يومًا مع عموم المسلمين ضد عموم المسيحيين، بل هي تمحورت بين طائفتين، وهما هاتان الطائفتان عادتا وتناحرتا خلال الحرب الأهلية التي شهدها لبنان على مدار 15 عامًا..
لا ننسى في هذا السياق دور الإرساليات التبشيرية الأوروبية التي انتشرت بين ربوع لبنان؛ حتى قبل الاحتلال الفرنسي بعقود طويلة، والتي عملت على تذكية روح الفتن والاختلافات بين مختلف الطوائف المنتمية إلى الإسلام والمسيحية على حدّ سواء. وهناك كتب لأهم المؤرخين التي تتحدث عن هذه الإرساليات والدور الخطير الذي قامت به لإعادة تركيب شعب لبنان وهويته وفقًا لرؤية طائفية متناحرة.
نعود ونسأل السيدة النائبة هل تقصد تلك الفتن والحروب؟ الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها؛ ثم إنّ عمرها لا يتعدى ثلاثة قرون، فأين 1400عام من الصراع؟!
لا بدّ من الاعتراف أنّ تشوّهات الهوية التي ركّبها الاحتلال الفرنسي ما تزال مسيطرة في عقول بعض الفئات من اللبنانيين؛ والذين ما يزالون مصرّين على تمايزهم عن بقية الشعب اللبناني، وكأنهم “شعب الله المختار”؛ ومن هؤلاء جماعة القوات اللبنانية. فمنذ منذ بداية الصراع العربي- الإسرائيلي وتحديداً منذ نشأتها كان واضحًا موقف “القوات” العدائي من هوية لبنان العربية بانغماسها وتماهيها مع خطط العدو لاجتياح بيروت في العام 1982، وما بعده مع رئيسها سمير جعجع والذي لم يترك حزبًا لبنانيًا أو طائفة إلا هو من تحدّاها وخاض حروبًا ضدها كي تنكفئ عن مشروع لبنان القومي العربي في تلك المرحلة.
ما تزال “القوات اللبنانية” بوقًا للفتنة مذ وجدت على أرض لبنان؛ وفيّة في معتقداتها ورؤيتها للفكر الاستعماري التقسيمي الفتنوي، وما تزال تختلق الأكاذيب محاولة تحريف التأريخ.. ونسألها: من يتحداكم؟ من يقوم باضطهادكم؟ من يمنع عنكم حرياتكم؟ وأنتم تفعلون ما يحلو لكم من بغي وفساد وعبث! ولنا أن نسأل أصلًا من أنتم؟؟ ومن يحسب لكم حسابًا كي يتحداكم أو يواجهكم؟ أليس من المعيب أن تتحدث نائبة في البرلمان اللبناني يفترض أنها تمثل صيدا وجزين والجنوب بهذه اللغة الطائفية المقيتة ونيابة عن كل المسيحيين كما تدّعي..؟! مسيحيو لبنان شرفاء ووطنيون، يرفضون أي بوق للفتنة باسمهم..فتحدثي عن لسان حالكم.. وأنتم فئة سينبذها التأريخ عاجلاً أم آجلاً..


