الجفاف … د. خالد جمال .

امة اصابها الجفاف، واذا حضر الماء فانه يأتي على شكل سيول وفيضانات، تدمر كل ما تلقاه في طريقها، كما يحدث الآن في الرابعات السودانية، وكما حدث من قبل في درنة الليبية.
يذكرني هذا باللورد بايرون البريطاني، في انشودته الشهيرة وهو محاصر في قاربه وسط البحر، حين قال : كل هذا الماء ،ولا نقطة واحدة للشرب.
جفاف وقحط وجوع، ليس في الموارد ولكن في الفكر والثقافة والانتاج، في الارادة والتصميم والخيال، في الفهم والرؤية والتخطيط، في المجتمع كما في السلطة، في القاعدة كما في قمة الهرم. جفاف في كل شيء، منزوعي الارادة والرغبة، وملقيين على طرف الطريق ككلب صدمته شاحنة مسرعة، ثم مسحت آثاره السيارات العابرة.
اين نحن اولاً في حرية قرارنا، لا رأي لنا ولا مشورة ولا دور، كركاب طائرة مخطوفة يراقبون الطيار وهو يلهو بالطائرة بين السماء والارض تحت تهديد سلاح موجه الى رأسه، لا هو يقدر ولا هم يستطيعون، وان فعلوا فان النتيجة الحتمية هي الدمار.
اين نحن ثانياً من مصيرنا، وهو مرهون بنتيجة صراع دول وميليشيات على ارضنا، وليس لنا من الأمر الا التنظير والاحتجاج المهادن لاننا نخشى على رزقنا واحوالنا الشخصية، وكل يبحث عن ملجأ طائفي او مناطقي ليتلطى تحت سقفه، وهو حتماً سيهوي عليه.
اين نحن ثالثاً ، من احوال مجتماعتنا، المقسومة والممزقة، والتي تبحث كل الوقت عن الحلال والحرام، في هذا او ذاك، ولا دليل يرشدها الى الصواب كقطيع، بلا راعي، وقد فر كلب الحراسة خشية الذئب، وتركنا في بادية تشققت ارضها واختفت الاعشاب من واحاتها.
اين نحن اخيراً من انفسنا، نرضى باي رقعة تستر عوراتنا رغم تمزقها، وبأي لقمة تسد جوعنا رغم قرحتنا، وبأي قطرة تطفىء لوعتنا رغم تيبس حلوقنا، وبأي ضوء ينير عتمتنا رغم ان ثمنه كرامتنا.
جفاف يحيط بنا، يحيل حدائقنا صحارى، وخضارنا يباساً، وغلالنا قحطاً، ومياهنا غوراً، نعيش كاننا اشخاص في لوحة معلقة على جدار عنوانها البؤس، صانعها فقير وزوارها جهلة، ومصيرها لمن يدفع اكثر في المزاد.


