خاص التحري نيوز

لم ننهزم … د . خالد جمال .

 

دشَّن الرئيس نبيه بري مصطلحًا جديدًا يُضاف إلى مصطلحات الهزائم في تاريخ الحروب العربية-الإسرائيلية. “لم ننهزم”، ويعود بنا هذا المصطلح إلى عام 1967، حينما قضت إسرائيل في ستة أيام على الجيوش العربية. لكن بدلاً من الاعتراف بالهزيمة، والاستعداد لما يترتب عليها وما بعدها، تفتَّقت العبقرية العربية، وهي لطالما كانت مبدعة في اللغة، عن استنباط مصطلح دخل التاريخ من أوسع أبوابه، وسمح للسلطات بتجديد شرعيتها في الحكم. كان ذلك مصطلح “النكسة”، الذي استعاره اليوم الرئيس بري بعد أن غيَّر شكله، ليقول: “نحن وإن كنا لم ننتصر، فإننا أيضًا لم ننهزم، وإنما تعرضنا لنكسة، سرعان ما سنشفى منها”. ويا ويلنا.

 

لطالما تساءلت الشعوب العربية عن معنى الهزيمة، فهي لم تعرفها في تاريخها، فتاريخنا كله انتصارات. هناك دائمًا وجهة نظر مختلفة حول معنى النصر ومعنى الهزيمة. ومنذ أن وعدنا بأن زمن الهزائم قد ولى، ونحن نعيش في حالة من الانتصارات المتعاقبة، ننظر إليها بذهول ونشوة، من كثرة الحبور والسعادة التي تملأ صدورنا. وخاصة حين نعلم أننا قد مهَّدنا لهذه الانتصارات عبر تعزيز جبهتنا الداخلية، أهليًا واجتماعيًا واقتصاديًا وسلطويًا، واستعددنا للحرب التي لم نردها، ولكن فرضها علينا العدو الطامع في أرضنا وسماءنا وبحرنا، والخيرات التي ننعم بها.

 

لم ننتصر، ولكننا لم ننهزم. إليكم الدليل:

آلاف القتلى والجرحى، دمار واسع لحق بالجنوب والبقاع والضاحية، تدمير ممنهج للقرى والبلدات والمدن، اغتيال لقيادات المقاومة من رأس الهرم إلى قاعه، حتى كأنَّه لم يبقَ أحد. تحكُّم كامل في أي حركة فوق الأرض اللبنانية، القدرة على إحداث الأذى في من نشاء، وكيفما نشاء، ومتى نشاء. خسائر اقتصادية بالمليارات، وأخيرًا وليس آخرًا، نزوح مليوني يشبه التشرد لأهلنا وناسنا من مناطق الحرب والقصف إلى بيئات تكن لنا كل حب ومودة.

 

بربكم، هل نستطيع أن نسمي هذه هزيمة؟ نحن لم ننتصر، ولكننا ما زلنا نقاوم. فما زال هناك بعض الصواريخ الدقيقة التي يجب إطلاقها، وما زال هناك بعض البيوت التي يجب تهديمها، وما زال هناك بعض الوحدة التي يجب تمزيقها.

 

أهنئ الرئيس بري على هذا الاختراع العظيم، الذي يجب أن يكون دليلنا في المستقبل القريب للقضاء على ما تبقى من هذا الوطن، كما فعل أسلافنا من القادة العظماء. ودمتم ودامت قدراتنا العقلية على اختراع مصطلحات تسمح لنا بالانحدار بسرعة وقوة، كالمتزلجين على الثلج في سويسرا، التي كان يشبه بها لبنان في يوم من الأيام.

 

 
زر الذهاب إلى الأعلى