حين تكون الهزيمة نصراً … د . خالد جمال .

إنه أمر يخص الشيعة دون العالمين، إنه أمر كربلائي، حين ينتصر الدم على السيف، والعين على المخرز. كلما كانت الهزيمة أكبر، زاد حجم ووقع الانتصار. فنحن بحاجة إلى الهزيمة والألم الذي يحيط بها كي نغذي أسطورتنا بكل ما يلزمها من أدوات ومواد البقاء والحياة والاستمرار.
ربما في هذا شيء مسيحي قديم، عن الفداء والتضحية من أجل عالم أفضل، وأن المسيحية تخلصت منه بعد الإصلاحات اللوثرية والإنغليكانية، إلا أنه ما زال مستمراً عند الشيعة. فلا سبيل إلى الهزيمة، بل إن كل هزيمة هي نصر.
فحين كان المسيح يحمل صليبه ويصعد سلم الجلجلة نحو الجبل، تحت وقع السياط التي تقشر جلده وتدمي بدنه، كان سوطه يلهب أجساد ورؤوس الطغاة. وحين كانت المسامير تخترق يديه وقدميه نحو الصليب، كان يدق المسامير في عرش الإمبراطورية الرومانية، والعالم القديم بأسره.
ثم أتى الحسين عليه السلام ليخلد الفكرة التي بدأت مع بني إسرائيل ونبي الله موسى في وجه فرعون: (سَنُمَنُّ عَلَى الَّذِينَ استُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلُهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلُهُمْ الْوَارِثِينَ) [القصص: 5]. كل موت هو حياة، وكل هزيمة هي نصر، وكلما أوغل العدو في دمائنا، ذابت حلاوة انتصار الحق على الباطل.
وتسألون بعدها لماذا يعتبر حزب الله ما حدث في الحرب الأخيرة مع إسرائيل انتصاراً؟ فكل ما يحدث هو انتصار، ولكن مؤجل إلى حين ظهور المهدي عليه السلام، سيد الزمان، الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.
ما كاد شُعَب لبنان يستفيقون من نصرهم على إسرائيل، حتى أتاهم نصر آخر من الشمال والشرق مع فرار بشار الأسد وسقوط نظامه في يد اليزيديين. ولكنها أمر عابر ولا يؤثر على وعود النصر التي كان قد أطلقها المرحوم نصر الله (كما وعدتكم بالنصر أول مرة، أعدكم بالنصر مرة أخرى). فقد ولى زمن الهزائم، وأتى زمن الانتصارات. المشكلة هي فقط في الذين لا يميزون بين النصر والهزيمة، التقدم والتراجع، الإقدام أو الانسحاب ولو مؤقتاً.
هل تعرفون لماذا أطلق النبي محمد صلى الله عليه وسلم لقب “سيف الله المسلول” على خالد بن الوليد؟ فعل لأنه رأى أهل المدينة يلومونه بعد الانسحاب من معركة مع الروم، حفاظاً على دماء الجيش الإسلامي. لقد رأى أن الأفضل له الانسحاب ليحفظ الجند ويحقن دماءهم. ليكن لكم في خالد بن الوليد عبرة، وفي موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.


