خاص التحري نيوز

ويبقى النيل… د. خالد جمال

نهر النيل عصارة أفريقيا ، ينبت من كبدها، ويمضي كأنه لا يمضي، هادئاً راسخاً ضارباً في الجذور وفي التاريخ.

يحمل النيل عصارة أفريقيا إلى البحر المتوسط بعد أن يجبلها برمال مصر، وكأنها الصبغة الأخيرة للحضارات القديمة، المليئة بالعظمة والالهة والقرابين والدماء والرمال الصفر والتراب، الذي يتحول طيناً ما ان يلامسه فيبني منه وعلى ضفافه البيوت للفلاحين، الذين أتوا اليه من كل إتجاهات الأرض شرقاً وغرباً، فترسّخوا فيه، يزرعون الغيطان بالفول الأخضر والقطن الأبيض ويزنِّرون الحقول بالمنجة الذهبية والبرتقال والنخلات الباسقات.

من هي مصر؟

أنه سؤال الهوية الذي طالما حاول السياسيون الإجابة عنه ، خدمة لمبدأ سياسي تكتيكي أو استراتيجي، وإن كان النيل هو الأصل، لأن لا أصل قبل الجغرافيا، التي تلد التاريخ وتصنع الاتجاهات، وتجلب الطيور والخيول والبشر، وتمزج الماء والطعام مع العقول والقلوب ولون الجلد وقزحية العين وطول أصابع اليد وتجاعيد الوجنتين، وتحدد إتجاه الريح ومسالك السيول ودروب التائهين في الصحراء والبحار.

محمد علي باشا

من هي مصر؟ سؤال يتجدد عند كل ازمة، منذ أن تكوَّن تاريخها الحديث مع محمد علي باشا الذي انشأ الجيش ثم بنى حوله كل شيء: من الاقتصاد إلى السياسة ومن الطب إلى الهندسة ومن فنون البناء إلى أساليب الصناعة ومن دروب التجارة إلى طرق الفتوحات.

الضباط الأحرار

الدولة الحديثة في مصر بمعنى ما هي الجيش، ولم تُحدث ثورة 1952 التي قادها الضباط الأحرار إلا تعديلاً في الصيغة الحاكمة، بحيث أصبح الضباط فعلياً هم الحكام بعد أن كانوا يخضعون لسلطة الملك، الذي هو وريث مؤسسة نموذج الدولة الحديثة المرتكز على الجيش، أي أن الملك كان يحكم بقوة الجيش، الذي جعله الوسيلة لبناء مصر الحديثة.

مصر تختلف

ومن هذا المنطلق تختلف مصر في تجربتها عن مجموعة من التجارب العالمية في بناء الدول، وتتقارب مع أخرى، إلا ان اللافت في المقاربات المشابهة، انها توقفت بعد هزائم عسكرية قاسية وعدلت المنهج ووسيلة الحكم بينما استمرت صيغة الحكم في مصر رغم هزيمة 1967.

اليابان

فمثلاً التحديث الياباني أّخذ مكانه في القرن السابع عشر، اعتمد أيضاً على بناء الجيش، وعلى القضاء على بقايا النظام العسكري القديم وتحالف الإمبراطور مع الساموري، ولم ينتهِ وقته إلا مع هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، التي غيَّرت من طبيعة النهج الحاكم ومراكز التأثير في البلد، واستطاعت ان تقوم بالانجاز العجائبي في النجاح.

مع الفارق بأن الثورة الصناعية كانت قد مرَّت في مصر، ولكنها توقفت قسراً في مصر أيام محمد علي باشا وأبنائه بفعل التدخل الغربي.

ألمانيا

وكذلك الأمر بالنسبة لألمانيا التي إنتهت عسكريتاريتها مع إنتهاء الحرب العالمية الثانية، وهي عسكريتاريا مخيفة نشأت مع توحيد إماراتها المختلفة في عهد «بسمارك»، واندفعت تردّ الصاع للأوروبين عموماً وتحديداً للفرنسيين والانكليز الذين سبقوها في السيطرة على المستعمرات، ولها معهم تجارب مؤلمة في تاريخ الاحتلال لمدنها وإماراتها قبل التوحيد وبعده، ولم تنتهِ هذه العسكريتاريا إلا بعد هزيمة المانيا النازية في الحرب العالمية الثانية.

محاولة المؤسسة العسكرية إعادة الصياغة

فمصر الحديثة في جانب ما هي الجيش، رغم إعادة تشكّله وفق صيغ مختلفة تبعاً للمرحلة، وكان فيها نماذج حكم وايديولوجيات مختلفة، وفي الأزمة الحالية تحاول المؤسسة العسكرية أن تعيد صياغة مشروعها بطريقة مختلفة، للتخلص من الوجه الكريهة والمترهلة للنظام الذي كاد يموت تحت حكم مبارك، والذي سعى (وهنا الخطورة) ان ينتقل إلى أنواع أخرى من الحكم، بتوريث نجله السلطة وهو لا ينتمي إلى المؤسسة ولا إلى النظام، الذي كان راسخاً ومتشعباً منذ تأسيس مصر الحديثة.

الإخوان

في المقابل هناك جماعة «الإخوان المسلمون» الذين يملكون تاريخاً من الاحتجاج، يمتد منذ بداية القرن على طبيعة السلطة الحاكمة، وهم حزب سياسي منظم ويرفعون شعار الحاكمية لله وللشريعة، ويسعون للاحتفاظ بها وباءت كل محاولاتهم بالفشل في الوصول إلى السلطة عبر الصيغ القديمة، التي انتهجوها.

وهم يملكون اليوم الفرصة للوصول إلى الحكم وتغيير طبيعته بشكل كامل عن طريق الانتخابات، رغم عدم وضوح برامجهم وخططهم، وعدم الوثوق بقدرتهم على إنشاء مشروع جديد يختلف عن طبيعة السلطة القائمة، لأن التعديل الجذري يجب أن يطال الفئة الحاكمة الفعلية وهي المؤسسة العسكرية، وتحديداً الجيش.

ولقد أحسّ «الإخوان» بقيمة الانتفاضة الشعبية التي قامت في 52 يناير وأساءوا حيث انطلقوا يطلبون السلطة عبر الانتخابات (التي هي بمعنى ما انتقاص من قيمة الثورة قبل إتمام التجربة. هي كالمولود قبل ميعاده يحتاج إلى العناية والحضانة بشكل خاص، قبل إطلاقه لمجابهة الحياة) ولكن «الإخوان» يبدون متعطشين للسلطة، رغم أن أيَّ مراقب لا يعلم ماذا سوف يفعلون بها، وإلى أين سيقودون البلد، لأنهم قد يفشلون ويضطرون إلى إعتماد أساليب قاسية في مواجهة المحتجين عليهم، ناهيك عن خلافهم الجذري مع مجموعات رئيسية في المجتمع كالأقباط والتيارات الليبرالية واليسارية، ومصر هي أيضاً إسلامية ولكن إسلامها لم يمنعها يوماً من أن تكون منفتحة ومتسامحة ومتنوعة وهذا قد يكون مهدداً اليوم.

ولكن الزمان يجري والتغييرات تحدث، ولا يبقى ثابتاً إلا النيل، يجري مطمئناً هادئاً لعمقه، ولأنه عصارة أفريقيا فإنه سيزوّد أبناء مصر بحكمة الغابات، التي تعرف كيف تُوحِّد بين ساكنيها سواء أكانوا طرائد أو كواسر أو صيادين.06-2012

 

 
زر الذهاب إلى الأعلى