خاص التحري نيوز

خاص : إلى ما يحتاج الجيش ليصبح قادرًا على مواجهة التهديدات “الإسرائيلية”؟

كتب المحرر السياسي في موقع ” التحري نيوز”

لم يكد لبنان ينال استقلاله، في العام 1943، حتى واجه الجيش اللبناني في مهد تأسيسه، وعديده لم يتجاوز الألفي جندي وضابط، أول تحدّ حقيقي تمثل بالأطماع التوسعية للكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين، والذي كان يطمح بالتمدد نحو لبنان وصولًا إلى نهر الليطاني..، حينذاك اندلعت فور تأسيس الكيان في منتصف أيار 1948 أول معركة مع لبنان عرفت بـــ”معركة المالكية” التي قادها ضابط لبناني شجاع سميت باسمه لاحقًا العديد من الثكنات العسكرية، وهو الملازم أول محمد زغيب الذي تصدى لعصابات الصهاينة إلى جانب متطوعين من المناطق اللبنانية كافة وخاض معارك شرسة في المالكية، كبدهم فيها خسائر فادحة بالبرغم من إمكانات الجيش المحدودة آنذاك.
قد تكون تلك المعركة من المعارك النادرة تاريخيًا التي خاضها الجيش اللبناني في مواجهة الجيش “الإسرائيلي” بعيدًا عن المعايير السياسية إذ إن صيغة الحكم والعلاقات بين السلطات كانت في طور تشكيلها آنذاك.. ولوجود ضباط شجعان منهم قائد الجيش الأسبق فؤاد شهاب والجنرال محمد زغيب ورفاقهم.. ومنذ ذاك التاريخ لم يتكرر تصدي الجيش اللبناني للاعتداءات “الإسرائيلية” إلا ما ندر، وبشكل محدود، وضع فيه جنود الجيش اللبناني بموضع الدفاع عن أنفسهم مقابل عدوان مفاجئ..، كما حصل في الجبل الرفيع، في العام 1997، وفي حرب تموز 2006 ومؤخرًا في حرب 2024 لم يكن ذلك بسبب نقص قوة الجيش وعدده؛ بل لافتقاره للقرار السياسي الذي يمكّنه من الحصول على تجهيزات عسكرية وترسانات حربية للدفاع عن نفسه وكذلك للقرار السياسي الذي يخوله الرد حتى لو كان عرضة للاعتداء “الإسرائيلي”.
هكذا ترك جنود الجيش اللبناني مكشوفين في الخطوط الأمامية، بلا وسائل قتالية فعّالة تقيهم شر الاعتداءات المتتالية، بالرغم من العروض التي قدمتها عدة دول لتسليحه ومنها روسيا وإيران. لكن السلطة السياسية كانت دومًا تتهرب وتختلق الذرائع الواهية للامتناع عن مجرد قبول تلك الهبات، تارة بداعي أن تسليح الجيش الـــــ”سيستام أميركاني” ولا يتماشى مع نمط التسليح الروسي، وطورًا خشية من العقوبات الأميركية، ووصل بها الحد في مطلع العام 2008 إلى رفض هبة من 10 طائرات “ميغ” روسية و77 دبابة T-72 ومدافع هاون 130 ملم، و50 ألف قذيفة لكل من الدبابات والمدافع، وعادت ورُفضت في تشرين الثاني 2018 أي بعد 10 أعوام هبة روسية ثانية، وهي عبارة عن ذخائر تضم ملايين الطلقات متعددة العيارات لبنادق رشاشة ومتوسطة ثمنها نحو 5 ملايين دولار، بذريعة أن الأعيرة المقدّمة لا تتناسب والأسلحة التي يستخدمها الجيش اللبناني، والتي تتطابق مع أعيرة حلف “الناتو”.
كان بإمكان هاتين الهبتين أن ترفعا من مستوى تسليح الجيش اللبناني. لكن لبنان، والذي كان يرأسه ميشال سليمان آنذاك، رفض الهبة، فعاود الروس طرح منح لبنان مروحيات قتالية تستطيع التكيّف مع ظروف البنية التحتية العسكرية في البلاد بكلفة صيانة أقلّ، إلا أن السلطات اللبنانية رضخت للضغط الأميركي وأسقطت العرض الثاني أيضًا، لتنجح يومها في رسم خطوط حمراء لتسلح الجيش، موهمة المسؤولين بأن الهبة الروسية لن تكون مجانية بالكامل وأن موسكو ستشترط إرسال خبراء إلى لبنان لمراقبة حسن استخدام الطائرات تحت ستار تدريب الجيش اللبناني على استعمال هذا النوع من السلاح.
في الواقع لم تكن الذرائع التي قدمت لتمييع وتضييع هذه الهبات في متاهات ودهاليز السياسة اللبنانية سوى حجج واهية تخفي خلفها قرارًا أميركيًا كبيرًا يمنع أي تعاون عسكري بين لبنان وموسكو. وهو ما تكشف من خلال التحركات الأميركية التي حصلت في العام 2008 للقوطبة على الهبة الروسية، عبر لقاءات السفيرة الأميركية آنذاك ميشيل سيسون مع رئيس الحكومة ووزير الدفاع الياس المر لمنع الصفقة، لتبدأ سلسلة من التعقيدات؛ من قبيل: كلفة صيانتها عالية تحتاج لمطارات مجهزة خصيصًا ولمنظومات رادارات ودفاعات جوية…إلخ، ترافق ذلك مع جولة لمساعد وزيرة الخارجية الأميركية دايفيد هيل على المسؤولين اللبنانيين محذرًا إياهم من قبول العرض الروسي.. ومعلنًا أن بلاده تعمل من أجل توفير طائرات الـ «أف 16» الحديثة للبنان في ربيع سنة 2009.
طبعًا هذا الأسلوب الأميركي ليس بجديد في الالتفاف على العروض والمساعدات التي تقدم إلى لبنان، فكلما تقدمت دولة ما بهبة يسارع الأميركيون لتقديم عرض مقابل، والجميع يذكر كيف سارعت السفيرة الأميركية السابقة دورثي شيا للإعلان عن خطة لاستجرار الكهرباء من الأردن يوم تصدى حزب الله لأزمة المحروقات في الأسواق.. وذهبت السفيرة ومن معها، ولم تأت الكهرباء الموعودة.. كما لم تأت طائرات “الميغ”.
احتكار واشنطن السياسة التسليحية للجيش اللبناني ووضعه في أحضان التسليح الأميركي حصرًا، وعزله عن أي مصدر تسليحي خارج دول حلف “الناتو”، هدفه منعه من امتلاك أي سلاح أو قدرات عسكرية تمكّنه من مواجهة “إسرائيل”، فمواجهة “إسرائيل” المسموح فيها غربيًا أن تكون من خلال الأمور الدبلوماسية والشكاوى الدولية وليس عسكريًا.. فيا ليت مدّعي السيادة يكلّفون أنفسهم عناء البحث مع أسيادهم ومراجعهم عن سبل دعم الجيش وتجهيزه وتسليحه حتى يكون قادرًا على صد العدوان على لبنان بدلاً من الاكتفاء بهبات الألبسة العسكرية والخردة الأميركية.. ويا ليتهم يصوتون لإخراج الجيش من دائرة الارتهان للقرار السياسي ويتركونه يقوم بواجباته في حماية سيادة لبنان، برا وبحرا وجوا، بدل أن يحولوه مجرد شرطي لحل الخلافات والمشكلات الداخلية. ويا ليتهم يبعدون موقع قيادة الجيش عن التجاذبات السياسية والطموحات الشخصية؛ لأن السيادة لا تتجزأ.. ومن يعتلي هذا الموقع ويتولى إدارته على قاعدة استرضاء الخارج، وخصوصًا الأميركي، لن يطلق رصاصة على “إسرائيل” المعتدية.

 

 
زر الذهاب إلى الأعلى