
هل جربت ان تطعم ذكورآ سبعة في طور النمو. لن ينفع معهم حلة المجدرة ولا طنجرة الفاصوليا ولا الكوسى المحشي ولا البطاطا المقلية ولا ورق العنب ولا حتى الكبة المشوية او الكروش المحشية، ولن يسد رمقهم الا الخبز الذي يغمسوه او يلفوه او يقضموه مع كل طعام.
كانت فترة الحرب الأهلية في لبنان منتصف السبعينات، وكنا قد انتقلنا من بيتنا في وسط الضيعة الى حقليت حيث اقمنا في بناء اقامه شقيقي المرحوم سعد على طرف البستان المسمى المقيل. كانت رحابة البساتين ارحم من حواري الضيعة الضيقة. وكنا سبع ذكور اكبرنا في سن السابعة عشر واصغرنا في سن الخامسة بالأضافة الى شقيقتي المرحومة عائشة ووالدي رحمهما الله. وكانت جارتنا ام جمال تسكن على بعد ثلاثين مترآ وفي احدى زوايا فنائها طابونة وهذا هو موضوعنا.
كانت ايام الحرب الأهلية وانقطعت الكثير من المواد الأساسية واهمها الطحين، فتعاون رجال البلدة حزبيين وسياسيين واعضاء لجان على احضار الطحين وتوزيعه على الأهالي، وهكذا كنا نحصل على حصتنا منه، ولكنه اي الطحين لن يصبح خبزا لوحده، فكان لا بد من جعله عجينا، ومن ثم خبزه، ومن هنا ولد الدور الاستراتيجي لطابونة جارتنا علية.
قبل كل شيء الخميرة. كان علينا تأمين الخميرة وهو امر لم يكن سهلآ في كثير من الأحيان. وبعد العجن وقيامة العجين بسحر الخميرة، يبداء التقطيع والحدل حتى تصبح العجينة جاهزة للطابونة.
تحجز نساء الحارة ومنهم والدتي طابونة علية بعد الأتفاق معها، يومآ في الشهر. ويبداء النهار بنقل العجين والماء والحطب الى قرب الطابونة، وتتربع امي على الأرض ونقرفص حولها للمساعدة، وهي تحمي الطابونة وتخبز العجين ثم تجمع غلال شهر كامل من الخبز، قبل،نقله الى البيت ووضعه في براميل بلاستيكية. اضافة والدتي اختراعآ اخر الى الخبز، وهو المرقد ذو الطعمة الشهية والمزين بحبات البركة السوداء، ولقد كان اختراعآ عبقريآ ساهم في سد رمق جوعنا مرات عديدة خاصة في الصباح والمساء مع كباية شاي او كوب حليب.
كنا صغارآ في طور النمو لا نعي ما حولنا ولكن طابونة علية ساهمت في الأبقاء علينا اصحاء وشبعانين بفضل الخبز والمرقد والمعمول في المناسبات.
اذا عادت تلك الأيام فلا تنسوا لكي تصنعوا خبزا انتم بحاجة الى الخميرة والنار وطبعآ الجيران الطيبيين.


