
كان أحمد العربي في قصيدة محمود درويش الشهيرة يفرك الساعات في الخندق، كمن يفرك عملة معدنية بين الإبهام والسبابة حتى يتأكد من تضاريسها ويشعر بها تلامس جلده وتضيء بصيرته. أما نحن، فلا نملك هذا الترف، ويكفي أن نفرك الهواء بأذرعنا ملوحين لشيء ليس لنا القدرة على تحقيقه. بصريح العبارة، نحن نقطّع الوقت حتى لا نشعر بقلتنا وضعفنا وعجزنا وهواننا على الناس.
كحكم المباراة في كرة القدم، يرمي العملة المعدنية في الهواء من يده اليمنى، ثم ينتظرها حتى تتأرجح قليلاً قبل أن تهدأ على يده اليسرى ليقرر أي من الفريقين يملك شوط البداية أو أرضية الملعب المناسبة. أما نحن، فلا نملك أمام رمية الحظ هذه أي قرار على بساطته. نراقب العملة وهي تتأرجح حتى تستقر بين فوق وتحت، تتشقلب إلى أن تستقر، ولا نملك عنها قراراً، حتى ولو صفقنا أو نفخنا.
تحدث المفكرون، ومنهم كارل ماركس، عن الاستلاب، وهو يعني أن الإنسان العادي لا يملك قرار حياته ومصيره، وإنما تتحكم به قوى معلومة مجهولة. ونحن، إن لم نرد أن نغص في علم الاجتماع البشري وقوانين الاقتصاد ونشاط السياسيين، فإن أسهل شيء علينا هو أن نتهم القوى المؤثرة والمسيطرة كالدول والمنظمات والتنظيمات في تقرير مصيرنا وسلبنا حقنا في تقرير مساره وجوانبه. وهذا لا يعني أيضاً أن قسمًا كبيرًا قد سلم أمره طائعًا مختارًا لقوى غيبية هي التي كتبت له على جبينه ما يجب أن تقرأه العين.
نقطّع الوقت إذًا ونكبر على مهل، نتعلم في المدارس والجامعات، ونأخذ شهادات نبروزها ونعلقها على الحائط. وقد تنفعنا في وظيفة نعتاش منها. نتزوج ونتوالد ونربي أولادنا بنفس الطريقة التي نشأنا عليها، ثم نرسلهم إلى سوق العمل ليعيشوا ويعتاشوا ويتزوجوا وينجبوا الأولاد، ويحافظوا على النوع، دون أي قدرة على التحكم بالسوق أو بالعمل أو بالمصير.
كان أحمد يفرك الساعات في الخندق بين الحياة والموت، ويتذكر حياته كلها ويعلم إلى أين تمضي. أما نحن، فتركنا الساعات لنقطعها حتى لا ننتبه إلى مصيرنا المحتوم بين قوى الغيب وقوى الحاضر التي تتحكم به، والسلام.


