وبقيت المتصرفية … د . خالد جمال

بمناسبة الانتخابات البلدية القادمة في لبنان، والتي ستحدث قريباً، فلنلقِ نظرة على هذا البلد (لبنان). نجد أنه يتنوع ويختلف من قضاء إلى آخر ومن محافظة إلى أخرى. لكن الملفت للنظر هو أن الحضارة والنظافة والتمدن، على الأقل ظاهرياً، موجودة في المنطقة الممتدة من الكورة شمالاً إلى الإقليم جنوباً. أما المناطق الأخرى، فتغطيها الفوضى والعشوائية، وكل مظاهر الانحلال البيئي والعمراني والثقافي.
لكن لماذا يحدث ذلك؟ هذا هو السؤال المحير. البعض يعزو ذلك إلى التركيبة الطائفية. فباستثناء الدروز، فإن معظم سكان هذه المناطق أو أغلبهم من المسيحيين الذين يتميزون عن إخوانهم المسلمين في الجهة الأخرى بالتحضر والتمدن والاهتمام بالعمران والنظام. أي أن المناطق المسيحية يسود فيها نوع من الوعي بأهمية مكان الإقامة وجماله وهدوئه. أما في المناطق ذات الأغلبية الإسلامية، فإن الميزة الرئيسية هي غياب أي وعي بأهمية جمال المكان ونظامه وترتيبه. ونحن لا نريد ربط ذلك بالأصول الدينية أو المذهبية، لا سمح الله، لكن دعونا نفكر في الأسباب الحقيقية لهذا الفرق الواسع بين المنطقتين.
البعض الآخر يعزو هذا الأمر إلى الاختلاف في التركيبة السياسية. حيث تحظى المناطق ذات الأغلبية المسيحية بأحزاب سياسية تسيطر على أعمالها بالكامل، بينما في المناطق الإسلامية، لا توجد أحزاب بل عائلات وقبائل مع فروعها وأفخاذها.
قسم آخر يرى أن السبب يعود إلى المستوى المالي في هذه المناطق. بمعنى أن المناطق ذات الأغلبية المسيحية استفادت من الدولة ومواردها أكثر من المناطق ذات الأغلبية الإسلامية. إضافة إلى أن الهجرة إلى دول الأميركيتين وأفريقيا كانت أقدم من الهجرة إلى دول الخليج، حيث استفاد المسلمون والمسيحيون معاً.
وبغض النظر عن الرؤى المتعددة، تبقى الحقيقة الصادمة أن البلدات التي كانت ضمن المتصرفية هي أرقى بكثير من تلك التي انضمت إليها لاحقاً، مثل الجنوب والبقاع والشمال.


